ابتسام تريسي تكتب: رهان الانقلاب التركي

فالفرنسيون كالأمريكان حين يتخذون قراراً بإجلاء رعاياهم من مكان أو إغلاق سفارتهم فهم يتوقعون أو يكونون على يقين بأنّ حدثاً هاماً سيقع، وفي الغالب يكونون متورطين في حدوثه. يتبع

ابتسام تريسي*

لم يمر على النازحين السوريين طيلة وجودهم في تركيا ساعات أسوأ من الساعات التي استغرقها الانقلاب التركي، فقد تداول ناشطون على “الواتس آب”، ومواقع التواصل الاجتماعي وصايا تهيب بالنازحين التمسك بالحياد وعدم الخروج من منازلهم حتّى تنجلي الأزمة.

والأزمة التركية لم تكن تخص الأتراك وحدهم، فنجاح الانقلاب أو فشله قضية وجود بالنسبة للسوريين فهم وعلى الرغم من انتقادهم للكثير من الإجراءات التي اتّخذتها الحكومة التركية بحقّهم يعترفون بأنّ تركيا الدولة الإسلامية الوحيدة التي استقبلت السوريين بشروط إنسانية وقدمت لهم الدعم المعنوي بوجودهم الآمن على أراضيها وإن لم ينس السوريون الحوادث الفردية التي قام بها الجندرمة الأتراك بإطلاق الرصاص الحي وقتل العشرات منهم على الحدود التركية السورية، كما لم ينسوا معاناتهم في التعامل مع أرباب العمل الأتراك الذين يعطون العامل السوري أجراً أقل، ويقتطعون أشهراً من راتبه من دون وجه حق..
حوادث كثيرة مؤلمة عانى منها السوريون في مناطق تجمعهم في تركيا “أورفا وغازي عنتاب والريحانية وأنطاكية” وكما يحدث في أوربا حالياً أي عمل إرهابي يحدث في تركيا تنعكس أثاره السلبية على النازح السوري لأنّ أصابع الاتّهام تتوجه إليه قبل أن تصل الشرطة إلى موقع الحادث.

وطبيعة أنطاكية كبلد ملاصق للحدود السورية وكون نسبة كبيرة من سكانه من العلويين المؤيدين لحكم بشّار الأسد يجعل السوري المقيم في هذا البلد حذراً وقلقاً من أيّ تحرّك قد يضر به.

بدأ الحصار النفسي منذ ساعات العصر حين انقطع الإنترنت وساد الارتياب بسبب المقدمات التي سبقته ومنها “إغلاق السفارة الفرنسية في تركيا” الذي لم تخفَ دلالته على أحد، فالفرنسيون كالأمريكان حين يتخذون قراراً بإجلاء رعاياهم من مكان أو إغلاق سفارتهم فهم يتوقعون أو يكونون على يقين بأنّ حدثاً هاماً سيقع، وفي الغالب يكونون متورطين في حدوثه.

دلالات هذا الأمر وما سبقه من توتر بسبب إغلاق المعابر وفرض فيزا على السوريين القادمين إلى تركيا، ومقتل عائلة كاملة برصاص الجندرمة على الحدود السورية التركية، وحادثة قتل شاب في غازي عنتاب، بالإضافة إلى موقف نائب البرلمان التركي عن مقاطعة هاتاي المؤيد لجرائم بشار في قتل السوريين ومطالبته بطرد السوريين من تركيا، وهذا الموقف بالذات الذي خفّف من وقعه على السوريين موقف وزير “العدل” التركي الذي جابه النائب العلوي برد ناري في البرلمان أثلج صدور السوريين. هو ما جعل السوريين يلزمون بيوتهم صبيحة الانقلاب الفاشل.

سهرة حتى الصباح كنا نراقب فيها تصريحات القنوات المؤيدة والمعارضة للانقلاب ثمّ نعود لتغطية قناة الجزيرة لتطمئن قلوبنا.

السوريون لم يسلموا أثناء هذا الحدث الهام في تاريخ تركيا من رواسب نشأتهم في ظلّ حكم العسكر بقيادة الأسد الأب والابن من الاصطفاف والتحزب إلى جانب أردوغان وعلى الرغم من أنّ الأتراك في مسيراتهم واحتفالاتهم في أنطاكية التي استمرت عشرة أيام رفعوا العلم التركي سواء كانوا مؤيدين لأردوغان أو ضده إلاّ أنّ السوريين وخاصة النشطاء على الفيس بوك رفعوا صور أردوغان، واستبدلوا صورهم الشخصية على الفيس بوك بصورته!

لم يستطع السوريون التخلص من انتمائهم للشخص النموذج، لأنّهم من جيل لم ينعم بظل الديمقراطية ولم يعرف حلاوة العيش الحر في ظل البرلمان والقضاء العادل. حتّى أن شخصاً مثل الرئيس شكري القوتلي الذي تنازل عن الحكم لعبد الناصر أثناء الوحدة بين مصر سوريا والذي تحمل شوارع كثيرة في المدن السورية اسمه، لم يذكر في الكتب المدرسية سوى بشكل عابر.. فقد حرص حافظ الأسد أن يكون الواحد الأحد في الكتب الذي سيحكم للأبد. وورث السوريين الخوف والعبودية التي جعلها رمزاً للأمان، إن لم تكن عبداً للسلطة فلن تعيش آمناً على نفسك وعائلتك ورزقك.

النموذج السوري الأردوغاني جعل بعض الناشطين السوريين المعادين لأردوغان يهاجمون السوريين المؤيدين له ويصفونهم “بشبيحة أردوغان”. واضطر هؤلاء للدفاع عن أنفسهم بذكر مناقب أردوغان وما قدمه للسوريين وآخر عطاياه وأهمها البدء باستقبال طلبات الجنسية لحملة الشهادات العليا والموسرين من السوريين.

ختام الاحتفالات ضد الانقلاب الفاشل في أنطاكية ليل الثلاثاء صادف مناسبة حساسة بالنسبة للسوريين ففي العشرين من يوليو/تموز 1939 اقتطع لواء اسكندرون وبشكل نهائي من سوريا ومنحته السلطات الفرنسية لتركيا، ويعتبر الخامس والعشرين من تموز بالنسبة لسكّان مقاطعة هاتاي يوم الاستقلال من الفرنسيين، أمّا بالنسبة للسوريين فهو يوم ضياع اللواء.

ومنذ ضياع اللواء أضاع السوريون أشياء كثيرة في مسيرتهم نحو الاستقلال التام وربما كانوا قد أضاعوا الطريق برمته حتى وصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.
______________________

*روائية مصرية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه