عبير الفقيه تكتب: في الأزمة الإسبانية

عبير الفقيه*

  يبدو أن الأريحيّة التي اِتّسم بها التنافس بين “الحزب الشّعبي” اليميني المحافظ و “حزب العمّال الاشتراكي” طوال الأربعين سنة الماضية من عمر التّجربة الدّيمقراطية الإسبانيّة، بات مُعطى في صفحات الماضي. فالواضح أنّ الزّلزال السّياسي الذي ضرب المشهد الانتخابي الإسباني في ديسمبر/ كانون الأوّل 2015  لا ينوي الهدوء. فبعد أن كان الفوز منحصرا كلّ أربع سنوات بين أحد الحزبين المذكورين. ها هى أحزاب جديدة على السّاحة تربك نتائج الانتخابات البرلمانية في دورتها الاولى وتُـفضي الى دورة ثانية في أواخر يونيو/ حزيران الماضي لتأتي بنتائج لم تختلف كثيرا عن سابقتها في الدّورة الأولى، باعتبار أنّ الصّناديق لم تحسم الأمر بفوزٍ يحقّق الأغلبيّة المطلقة ويعجّل بتشكيل حكومة و تسمية رئيس للبلاد.
  بادئ ذي بدء، وحتّى نقف على ما آلت إليه تعقيدات المشهد السّياسي في إسبانيا، يجدر بنا طرح أسباب وملامح التحوّلات التي أفقدت الناخبين الثّقة تدريجيّا في الثنائي الحزبي المعهود وراحت تبحث عن بدائل. اِهتزّت هذه الثّقة بشكل ملحوظ مع بدايات انعكاس الأزمة الاقتصاديّة على المجتمع الإسباني خلال فترة حكم حزب العمّال الاشتراكي واِعتبار شريحة كبيرة من الإسبان أنّ حكومتهم هي المسؤولة عن هشاشة السّياسات الاقتصادية التي لم تصمد امام الأزمة الاقتصادية سنة 2008. مع حلول انتخابات 2011 وفي ظلّ ارتفاع مستوى البطالة وتردّي مستوى خدمات القطاع العموميّ النّاتج عن تغلغل الأزمة الاقتصادية في كل القطاعات، مالت كفّة الفوز بقوّةٍ للحزب الشّعبي على أمل اِنفراج الأزمة. وقد كان واضحا حينها أنّ الفوز جاء تعبيرا عن استياءٍ و سُخطٍ على حدّة الأزمة أكثر منه اِستبشارا أو قناعة ببرامج الحزب الشّعبي المحافظ التي بدت حالمةً منذ طرحها في الحملة الاِنتخابيّة آنذاك.
  لم يحتج الأمر كثيرا من الوقت حتّى وقف الإسبان على حقيقة الوهم الذي باعهم إيّاه الحزب الشّعبي الفائز بأغلبية مطلقة. فقد اِختار هذا الأخير سياسة تقشّف حادّة لمواجهة الأزمة و إرضاء أصحاب القرار في الإتّحاد الأوروبي. سياسة كشف عنها الحزب الشّعبي منذ توليه الحكم بزعامة رئيسه ماريانو راخوي {61 سنة} وعجّلت بتصاعد أصوات النّقد والغضب في الشّارع الإسبانيّ.
   في المقابل، و على صعيد دولي، تزامن اِنطلاق حكم الحزبّ الشّعبي في أوائل سنة 2011 مع اِنطلاق الثّورات العربيّة، ثورات شبابيّة فتحت شهيّة الشباب الإسباني للاحتجاج في الميادين على غرار اِعتصامات القصبة بتونس و التحرير بمصر.
اِنطلقت الاِعتصامات حينها بساحة الشّمس بمدريد و اِختارت لحركتها اسم “15م” {اختصارا لـيوم انطلاق الاعتصام 15 مايو}. بدأت الفكرة بأربعين شخصا، ثم سرعان ما اِمتدّت إلى السّاحات المركزيّة لأغلب المدن في إسبانيا. و بلغت الحركة أوجها مع انتشار موجة الاعتصامات في العالم وصولا الى وولستريت بنيويورك في اكتوبر 2011. وجلبت الحركة في إسبانيا دعما من الشباب و بعض الشّخصيات النّاقدة لسياسة الثّنائي الحزبي الذي حكم طوال أربعة عقود مضت، وتِباعًا اِستمالت شريحة كبيرة من الشّعب بتعالي قضايا الفساد المالي التي أغرقت شخصيّات معروفة من الحزب الشّعبي الحاكم.
  مع الوقت، اِنتظمت هذه التحرّكات الميدانيّة في شكل حركة سياسيّة باسم “بوديموس” {بمعنى نستطيع} رغم المجهود الإعلامي الكبير لشيطنتها و تقزيمها. و على عكس الاِنتكاسة التي شهدتها الثورات العربيّة، تطوّرت هذه الحركة و نضجت سياسيّا و تقدّمت للانتخابات البلديّة  في مايو 2015 باسم حركات محلّية ترجع لها بالنّظر. و كانت النّتيجة صاعقة للأحزاب العريقة. فقد فازت في عشر بلديّات، على رأسها مدريد و برشلونة.  و ماهي إلّا ستّة أشهر حتّى تقدّمت الحركة بكل تمثيليّاتها المحلّية للانتخابات البرلمانيّة في ديسمبر/ كانون الأوّل 2015، على شكل حزب، محتفظا باسم “بوديموس”، برئاسة زعيمه “باولو اغليسياس” { 38 سنة، استاذ جامعي في العلوم السياسية}.
   أربكت نتيجة الانتخابات حينها الثّنائي الحزبي الذي لم يواجه طوال تجربته السياسيّة مُنافسا قادراً على الوقوف في وجه الفوز المحسوم لأحدهما. إذ أنّه، من بين 350 مقعدا في البرلمان حصُل الحزب الشّعبي على 123 فقط، تلاه الحزب الاشتراكي بزعامة “بيدرو سانشيز” { 44 سنة } بـ 90 مقعدا. ثمّ حزب ” بوديموس” اليساري بـ 69 مقعدا وأخيرا حصل الحزب الوسطي اللّيبيرالي ” ثيودودانوس” {مواطنون} الفتيّ أيضا على 40 مقعدا بـزعامة ” ألبير ريفيرا” {37 سنة }.
   في العموم، كانت نتيجة مُربكة للجميع و خالية من أيّ فوز، فالمرتبة الأولى للحزب الشّعبي لم تُتح له أيّ أغلبيّة باعتبار الأغلبية تتطلّب 176 مقعدا. فلا مجموع نوابه وصلوا الى هذا الرّقم و لا تحالفاته نجحت في جلب الفارق.
على الجانب الآخر، لم تنجح بقية الأحزاب الثلاثة بدورها في التّحالف لإقصاء الحزب المتصدّر للقائمة، بل إنّه و على عكس توقّعات الشّارع، بات الحوار بينها مُعقّدا جدّا، وزاد حِدّة مع الوقت، فاتّسعت الهوّة و اتّسمت المفاوضات فيما بينها بالخصومات أكثر منها بالتّحالفات. نقاش عقيم بين جميع الأطراف جرّ السّاحة السّياسيّة لدورة اِنتخابيّة أخرى في يونيو/ حزيران 2016.
  و رغم الاِستياء الكبير من تعطّل الحلّ السّياسي و تعالي موجة الفضائح السّياسيّة و الماليّة في صفوف كبار الحزب الشّعبي وعلى رأسهم وزيرا الصّناعة و الدّاخليّة، إلّا أنّ نتائج الدّورة الانتخابيّة الثّانية دفعت بهذا الحزب الشّعبي في المرتبة الأولى بـ137 مقعدا وسط ذهولٍ ردّه المُحلّلون الى تجنّد كهول المجتمع وكباره للتّصويت لقطع الطّريق أمام حزب بوديموس الفتيّ الذي وعد ناخبيه بإجراء اِستفتاء على استقلال مقاطعة كاتالونيا. في مرتبة ثانية حصل حزب العمّال الاشتراكي على 85 مقعدا. تلاه تحالف أونيدوس- بوديموس بـ71 مقعدا و في مرتبة رابعة تقهقر حزب “مواطنون” الى 32 مقعدا.
  المُلاحظ أنّ نتيجة هذه الدّورة لا تختلف عن سابقتها، وأنّ الفوز الأعرج للحزب الشعبي {134 مقعد} أوضح   انّه خالٍ من كلّ معاني الفوز السّياسي. باعتباره حزبا غير مرغوب فيه في أيّ تحالف، لا مع حزب العمّال الاِشتراكي و لا مع حزب بوديموس، وهما من بيدهم انقاذه من أجل بلوغ النّصاب القانوني {176 مقعدا}.
 مشهد مضطرب جدّا بعد دورتين انتخابيّتين  يوحي بالمرور إلى إعادة الانتخابات للمرّة الثالثة في تشرين الأوّل/ أكتوبر.

_______________________

*كاتبة تونسية تقيم في إسبانيا 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة