عبد الحافظ الصاوي يكتب: تركيا ودور اقتصادي متنام

أتت هذه الزيادة في ظل محاولات هز صورة الاستقرار السياسي والأمني بتركيا من خلال التفجيرات في وسط إسطنبول، ولكن استمرت التدفقات للاستثمارات الأجنبية المباشرة. يتبع

عبد الحافظ الصاوي*

الظروف غير المواتية على الصعيد السياسي والأمني إقليميًا، تفرض تحديات جديدة على تركيا، وبخاصة من الناحية الاقتصادية، فثمة محاولات تتم من قبل دول إقليمية لزعزعة الأمن الداخلي لتركيا، لتضرب السياحة فيها بشكل خاص والاقتصاد التركي بشكل عام، من خلال مجموعة من التفجيرات داخل الأراضي التركية، أو من خلال عمليات المعارضة الكردية المسلحة على الحدود من داخل سورية والعراق، ومع ذلك تميز الأداء الاقتصادي لتركيا خلال عام 2015 إيجابيًا من خلال مجموعة من المؤشرات، مثل زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2015 لتصل إلى 16.5 مليار دولار، مقارنة بـ 12.7 مليار دولار في عام 2014، محققًا زيادة بين العامين بنسبة تصل إلى 29%.

والنجاح هنا أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة زادت خلال عام 2015، والذي شهد حالة من الارتباك السياسي بسبب إجراء الانتخابات البرلمانية مرتين، في يونيو/حزيران، ونوفمبر/تشرين الثاني، ليحسم حزب العدالة والتنمية الأغلبية التي مكنته من تشكيل الحكومة منفردًا.

وكذلك أتت هذه الزيادة في ظل محاولات هز صورة الاستقرار السياسي والأمني بتركيا من خلال التفجيرات في وسط إسطنبول، ولكن استمرت التدفقات للاستثمارات الأجنبية المباشرة، في تدفقها في قطاعات مهمة للاقتصاد التركي وهي الصناعات التحويلية، ثم الخدمات المالية، ثم قطاع النقل.

ولم يكن التحسن الحادث في تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة هو المؤشر الوحيد، بل على صعيد معدل النمو حققت تركيا أفضل معدلات للنمو في الناتج المحلي الإجمالي في أوربا خلال عام 2015 بمعدل 4%، وذلك على الرغم من حالة عدم تعافي الاقتصاد الأوربي الذي يشكل الشريك التجاري الأول لتركيا. ولا يزال الدين العام للحكومة التركية يشهد تراجعًا بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 38%.

كل هذه المؤشرات تشير إلى التطور المستمر في أداء الاقتصاد التركي، مما ساعد على توسع دور تركيا على صعيد منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات الماضية، وقد أتت التطورات السياسية لتحدث تطور إيجابي تجاه العلاقات الاقتصادية لتركيا مع كل من إيران ودول الخليج، بسبب سعي كل من الطرفين على كسب تركيا لصفه في الصراع المستمر بين إيران والخليج، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
وفي إطار استراتيجية تركيا التي تتبنها منذ سنوات، استمرت في عدم قصر علاقاتها الاقتصادية مع دول الخليج أو المشرق العربي فقط، ولكنها حريصة على تمدد علاقاتها الاقتصادية مع دول المغرب العربي.

• الاستحواذ على مشروعات البنية الأساسية
ثمة ملاحظة مهمة على الأداء التركي تجاه منطقة الشرق الأوسط خلال الشهور الماضية، حيث لم تقتصر العلاقة على مجرد زيادة التبادل التجاري أو الحصول على حصة من التدفق السياحي من دول منطقة الشرق الأوسط، ولكن الجديد هو خروج الشركات التركية كمنافس قوي للشركات الأوربية والأمريكية والصينية لتنفيذ مشروعات بنية أساسية في المنطقة، ومنها: فوز أحد الشركات التركية القابضة بصفقة تنفيذ 7 محطات كهربائية في إيران تعمل بالغاز الطبيعي، بتكلفة تصل إلى 4.3 مليار دولار، هذا بجوار إنشاء مركز تجاري في العاصمة الإيرانية طهران، ليكون مركزًا دائمًا لترويج وبيع المنتجات الصناعية التركية، وتساهم فيه نحو 100 شركة تركية، وتستهدف هذه الشركات تحقيق نصف مليار دولار كأرباح سنوية.

وفي الكويت حصلت شركة تركية أيضًا بصفقة تطوير مطار الكويت بنحو 4.2 مليار دولار، وهو أمر لم تعهده شركات المنطقة من قبل، حيث كانت هذه الأعمال من نصيب الشركات الأوربية والأمريكية على مدار العقود الماضية.

وفي المغرب تمكنت شركة تركية من نفيذ خط “ترماي” جديد، بتكلفة تصل إلى 92 مليون دولار، ويعد الخط الجديد استكمال لعمل الشركة التركية لخط سابق تم تنفيذه في عام 2010، وتمتلك الشركات التركية خبرة في هذا المجال مكنتها في المشاركة بشكل ملحوظ في تنفيذ مشروعات المترو في مكة المكرمة، بالمملكة العربية السعودية.

وعلى الرغم من الظروف غير المواتية في ليبيا من النواحي السياسية والأمنية، إلا أن رئيس الوزراء التركية “يلدريم” صرح مؤخرًا من أن بلاده تحرص على المساهمة في مشروعات إعادة الإعمار في ليبيا. وكانت الشركات التركية موجودة بقوة في سوق الإنشاء والتعمير بليبيا قبل التدهور الأمني والدخول في الحرب الأهلية هناك. كما أن شركات المقاولات التركية تتواجد في مجال الإنشاء والتعمير في الجزائر والخليج بشكل ملحوظ.

• غياب عربي
في ظل هذا التمدد التركي اقتصاديًا في المنطقة، يلاحظ تراجع أدوار لدول أخرى، مثل مصر، التي تلاشى دورها في مثل هذه الصفقات الخاصة بالبنية الأساسية، والتي كانت تحظى بها مصر من قبل في دول عربية وافريقية. ولكن في ظل أزمة مصر الاقتصادية، وتراجع مشروعها التنموي، تحولت مصر إلى سوق مستهدفة لشركات الدول الأخرى لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية بها، وخير دليل على ذلك ما قامت به الشركات الألمانية خلال الفترة القريبة الماضية بتنفيذ وصيانة العديد من محطات الكهرباء.

وغابت ثقافة التعاون العربي لوجود كيانات إقليمية يمكنها المنافسة في المنطقة، أو على الأقل تنفيذ جانبًا كبيرًا من مشروعاتها، حيث تعد هذه الآلية فرصة لتجميع الإمكانات العربية، وتساعد في خلق فرص عمل جديدة. والجدير بالذكر أن المشروعات العربية المشتركة، كانت إحدى السمات البارزة خلال فترة الستينيات والسبعينيات، كأحد مداخل العمل العربي المشترك، ولكن للأسف تم تصفية غالبية هذه المشروعات فيما بعد عقد الثمانينيات من القرن الماضي، بسبب تخلي معظم الدول العربية عن مساهمة الدول في النشاط الاقتصادي وترك الأمر للقطاع الخاص، الذي زهد في تنفيذ مثل هذه المشروعات، على الرغم من أن احتمالات نجاحها كانت أوفر في ظل القطاع الخاص.  
لا شك أن هذا التنامي التركي بمشروعات البنية الأساسية بمنطقة الشرق الأوسط، أتى من خلال التطور الذي شهده الاقتصاد التركي خلال السنوات الماضية، وكذلك خبرة القطاع الخاص التركي، الذي يمتلك العديد من الشركات القابضة التي لديها خبرات متراكمة منذ بدايات القرن العشرين.
________________________

*خبير اقتصادي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة