طه خليفة يكتب: الديمقراطية وانتصارها المهم في تركيا

طه خليفة*

ماذا كان يعني نجاح الانقلاب العسكري في تركيا ليلة 15/7/2016؟.
يعني سحق الديمقراطية تماما، وألا تقوم لها قائمة بعد ذلك في هذا البلد، وأن يُصاب الشعب الذي يؤمن بها ويدعمها ويبنيها ويتفاعل معها من تجربة انتخابية لأخرى بإحباط عميق سيكون من نتائجه العزوف عن السياسة والحياة العامة، والهجرة إلى الخارج، وتصاعد تيارات التشدد والعنف السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وقد يصل الأمر إلى بروز تيارات داعشية فكرا وسلوكا ترتبط بممارسات إرهابية في ظل إغلاق المجال العام بعد أن كان مفتوحا على مصراعيه، أما الأخطر فهو عودة تفشي قيم الفساد السلبية في المجتمع الذي كان يعج قبل عقدين من الزمن بفساد سياسي واقتصادي هائل يضرب مفاصل في السلطة ولا يستثني حتى هيئات وجهات رسمية حساسة منه، وكذلك شيوع مختلف أشكال الجريمة وسيطرة العصابات وتغلغلها وتداخلها مع جهات مسؤولة توفر لها التغطية مقابل المصالح المشتركة، إنه التحالف الطبيعي للفساد مع السلطة في ظل حكم أنظمة عسكرية انقلابية أو مدنية استبداية، والأوضاع في تركيا كانت مزرية، وكان الفساد والفقر عنوانين بارزين فيها، وكانت السلطة عاجزة أو متورطة، وقد بدأ شوط مهم من التغير والتحسن مع التجربة الديمقراطية الحالية التي تمضي لمنتصف عقدها الثاني محققة نقلة نوعية لتركيا وشعبها، ولا نقول إنها جعلت هذا البلد  المدينة الفاضلة المتخيلة، إنما قدمت نموذجا جادا في الإصلاح ومحاربة الفساد وانتشال الملايين من حالة الفقر والبؤس وأثبتت أن وصفة النهضة والتحضر ليست صعبة في دولة خارج العالم المتقدم.
الديمقراطية هى العدو الأول للفساد حيث تكشفه وتتعقبه وتحاسبه وتحاربه، ومصدر البلاءات في أي مجتمع هو الفساد الذي ليس ماليا فقط، بل الفساد بمعناه الأشمل الذي يعني شيوع كل القيم السلبية في الدولة والمجتمع أفقيا ورأسيا فيقودهما إلى حالة من التدهور والانهيار، بنظرة بسيطة لدولة ديمقراطية ودولة خارج نسق الحكم الديمقراطي سنكتشف الفارق الهائل بين وضعي البلدين في كل مؤشرات التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك في مؤشرات التنمية البشرية والتحضر السلوكي العام.
مع الاستقرار الديمقراطي في تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية فإنها باتت تشهد تغييرات واسعة عن ذي قبل في قضية الفساد بالمعنى الكلي له حيث لم تعد هناك مصلحة في تركه يمرح أو التغطية عليه أو التواطؤ معه سواء كان مؤسسات أو جماعات أو أفرادا أو أفكارا أو قيما مدمرة، المصلحة الوحيدة لذلك الحزب كانت أن ينجح وفقط، والنجاح يعني استثمار كل ماهو متاح وبالتالي قطع الطريق على كل فساد، ففي ظل الفساد يصعب أن يتم النجاح كما يُراد له، وفي وجود الفاسدين ورعاتهم يصعب بناء نخبة حكم جادة تقود دولة ومجتمعا إلى طريق النهوض الفعلي وليس الخيالي والشعاراتي، الفساد المادي والمالي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري والأخلاقي والقيمي قاتل لفكرة الديمقراطية، كلاهما لايمكن أن يتعايشان أو يطبّعان علاقتيهما، فإما وجود هذا، أو ذاك، ولأن النجاح الانتخابي الأول لحزب العدالة في 2002 كان ساحقا ومفاجئا للأتراك وللعالم فإن نخبة الحزب أرادت أن تستثمر تلك الهدية الرائعة في إنجاز ما لم يتحقق من قبل للمواطن لإثبات أن الفوز كان يعني الثقة فيها وهى في محلها، وأن الثقة لابد أن تدوم، وأنها لابد أن تظل في الحكم باستمرار تلك الثقة، وهو ماحصل حتى ليلة الانقلاب الفاشل ليتوقف التاريخ ساعات قليلة ثم يستأنف مساره كما كان ليواصل هذا الحزب تجربة حكمه التي ستكون أقوى بعد عبور تلك الأزمة التي أفادته داخليا وخارجيا حيث تثّبت أقدامه أكثر وتجعله يزداد تمسكا بالديمقراطية فهى التي أنقذته بنزول الشعب المؤمن بتجربته لحمايتها وحماية من اختاره ليعبر عنها ويحكمه بها.
 وهى الديمقراطية التي نجحت في بناء مؤسسات صارت تدافع عنها كنظام حكم آمن ومستقر كما حصل في شأن مؤسسة الشرطة ومؤسسات المخابرات والأمن الأخرى التي كانت جميعها في خط الدفاع الأول عن الشرعية الدستورية وعن الديمقراطية في سلوك مدهش أن تتصدى مؤسسات أمنية لانقلابيين بينما تلك المؤسسات كانت من قبل وفي محطات انقلابية سابقة جزءا من الخطة أو على الأقل كانت تترك الحكومات لمصيرها، هذا جديد على تركيا وهذا من ثمار ديمقراطيتها الناشئة، ومن تلك الثمار أيضا أنه ولأول مرة منذ الانقلاب الأول في عام 1960 مرورا بانقلابات صريحة وأخرى تم إحباطها قبل التنفيذ أن يكون هناك قادة كبار وأسلحة أساسية في المؤسسة العسكرية ضد انقلاب 15 يوليو 2016، في السابق لم يكن هذا التطور موجودا، لم يكن قائد ولا سلاح يرفض علنا الانقلاب على السلطة المنتخبة، كانت وحدة الانقلاب متينة، الديمقراطية فككت الفكرة وأطاحت بتلك الوحدة، وبدا أن المجموعة التي قادت الانقلاب الفاشل أقلية في مؤسسة عسكرية وأمنية ضخمة، وبالتالي كان فشلها أسرع من المتصور فهى حسبة 5 ساعات أو أقل وكان الاندحار لها وكان المشهد مزريا للجنود والضباط وهم يُعتقلون ويتم السخرية بهم والتندر بهم وذلك مشهد مهم في ذاكرة التاريخ وذاكرة أي مغامر جديد قد يفكر يوما في حماقة جديدة ضد الديمقراطية بغض النظر عمن يحكم، فالأصل في فكرتنا هو الدفاع عن بناء نظام سياسي ديمقراطي حر في أي بلد في العالم وليس الدفاع عن أشخاص من يستفيدون من هذا النظام في وصولهم للحكم، فالنظام الديمقراطي يظل قائما وثابتا وقد يعتريه التطور للأفضل بينما الأشخاص كحكام هم عابرون عليه حاكما بعد الآخر وأيديولوجية سياسية وفكرية بعد الأخرى، وهذا الدفاع نابع من جوهر أنه لاتنمية حقيقية بغير الباب الرئيسي لها وهو الحريات والاحتكام للديمقراطية.
انتصرت الديمقراطية في تركيا هذه المرة انتصارا سيكون محطة مهمة في حمايتها وصيانتها واستمراريتها في قادم الأيام ومع من يحكم.

_____________________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة