سمير العركي يكتب من إسطنبول: انقلاب تركيا الفاشل كما عايشته

كانت الساعة حوالي الحادية عشرة مساء ، عندما كنت أستعد للذهاب إلى الفراش بعد يوم شاق قضيته في شوارع اسطنبول

سمير العركي*
كانت الساعة حوالي الحادية عشرة مساء ، عندما كنت أستعد للذهاب إلى الفراش بعد يوم شاق قضيته في شوارع إسطنبول .. قبل أن أفاجأ بأحد الأصدقاء على الفيسبوك من خارج تركيا يصرخ متسائلاً : ما الذي يحدث عندكم ؟ فقلت له : ما الذي يحدث ، فرد هناك أنباء عن انقلاب في أنقرة .. كانت هذه هي البداية التي حرمتني من النوم لما يقرب من ثمانٍ وأربعين ساعة تقريباً .
الأنباء الأولية كانت مفزعة حيث تمكن الانقلابيون من السيطرة على العديد من الأماكن الهامة خاصة في العاصمة أنقرة من أهمها قيادة الأركان التركية والتليفزيون الرسمي ( تي آر تي ) كما بدأوا بقصف جوي لمقري الاستخبارات والبرلمان ، وفي إسطنبول تم السيطرة على مطار أتاتورك الدولي وإغلاقه لحين إشعار آخر ، كما تم غلق الجسور الواصلة بين شطري إسطنبول الأوروبي والأسيوي ما يعني عزل اسطنبول الأوروبية عن بقية تركيا ، في الوقت الذي داهمت بعض هذه القوات مقر التلفزيون التركي في إسطنبول حيث تقع القناتان الناطقتان باللغتين العربية والإنجليزية وأمروا المتواجدين داخلها بمغادرة القناة فوراً .

وما هو إلا وقت قليل حتى تمت إذاعة البيان الأول الذي أعلن سيطرة الجيش على مقاليد الحكم وتشكيل مجلس للسلام وإعادة كتابة الدستور والأهم فرض حظر التجوال .. إلخ .
هذه الأحداث المتسارعة أصابت المواطنين الأتراك بحالة من الذهول دفعتهم لشراء ما يقدرون على شرائه من مواد غذائية ، والتزاحم على ماكينات الصرف الآلي لسحب أموالهم ، والجميع في حالة وجوم تحسباً للأيام الصعبة القادمة التي كانوا يسمعون عنها في مصر وسوريا والتي عاشوها من قبل في انقلابات سابقة .
بدا الأمر وكأن الشعب التركي كان يعيش حلماً جميلاً على مدار أربعة عشر عاماً ( مدة حكم العدالة والتنمية ) وهاهو الآن يستيقظ على واقع أليم لن يكون هناك ثمة صوت للعقل فيه أو مكان لحقوق الإنسان .
وإذا ما استثنينا قطر والمملكة المغربية فقد التزمت الدول العربية الصمت ، واكتفت القوى العالمية بتصريحات خرجت على استحياء تطالب الطرفين (لاحظ مصطلح الطرفين ) بالتزام الهدء وتغليب صوت العقل … إلخ ، تصريحات أولية كان يراد منها تمرير الموقف ريثما يتم استتباب الأمر للانقلاب ليتم الإفصاح عن الموقف الحقيقي .
وفي حين تولت أجهزة الإعلام العربية ( العربية وسكاي نيوز وغيرهما ) مهمة التسويق الإعلامي للانقلاب ، كانت الجزيرة تقف كعادتها مدافعة عن الديمقراطية والحرية ومهتمة بنقل الحدث كما هو على أرض الواقع .
ورغم أن تسلسل الأحداث منذ بدء نزول قوات الانقلاب كان يشي بأن الأمور قد حسمت لهم ، لكن الساعات القليلة التالية كانت كفيلة بإفشال الخطة ونجاح مؤسسات الحكم الشرعية ( الرئاسة والحكومة ) في استعادة زمام المبادرة والانقضاض على الانقلاب والإنهاء عليه ، فكيف حدث ذلك ؟؟
أسباب فشل الانقلاب
اللحظة الحاسمة التي حولت دفة الأمور تماما تتمثل في ظهور الرئيس رجب طيب أردوغان عبر الهاتف في مداخلة مع قناة سي أن أن تركيا ( وهي بالمناسبة إحدى قنوات مجموعة دوغان الإعلامية المعروفة بشدة عدائها لأردوغان وهجومها عليه ، ما يعني أننا أمام عمل مهني من الطراز الرفيع) حيث بدا رابط الجأش غير متردد وهو يدعو شعبه للنزول إلى الشوارع ومواجهة الانقلاب وفك الحصار عن المطار وأخبرهم أنه سيكون هناك ، هذه الإطلالة القصيرة لأردوغان كانت تعني الكثير للمواطن التركي بعد انتشار شائعات قبلها عن هروبه وطلبه اللجوء إلى ألمانيا ، فارتباط المواطن بأردوغان له أبعاد نفسية عميقة لا يدركها إلا من يخالط الأتراك ويستمع إليهم فهو ليس مجرد رئيس وزراء أو رئيس للدولة ، بل الرجل يمثل قصة كفاح خاضها معهم منذ أن كان رئيساً لبلدية إسطنبول ، وأحلام وعدهم بها حتى حققها معهم ، هو واحد منهم خرج من حي قاسم باشا الفقير بإسطنبول وعانى معهم الفقر حتى اضطر إلى بيع ” السميط ” ليساعد عائلته ، لذا عندما تحدث أزمة كبرى ينتظر الأتراك ظهور أردوغان ، وهو ماحدث ليلة الانقلاب فبمجرد إطلاله من نافذة “الآيفون ” هرول الناس إلى الشوارع والأماكن الهامة التي سيطر عليها الانقلابيون وازدحمت طرقات إسطنبول بسيل هادر من السيارات .
لهذا كان حرص الانقلابيين منذ اللحظة الأولى على اعتقال أردوغان أو اغتياله في مرمريس على بحر إيجه حيث كان يقضى إجازته .
الدور المحوري الذي قام به أردوغان لا يعني إغفال الدور الهام الذي قام جهاز الاستخبارات التركية بقيادة رئيسه هاكان فيدان والذي طلب من أردوغان سرعة مغادرة الفندق الذي يقيم به قبل أن يتم قصفه ومحاولة اقتحامه بعدها مباشرة .
ونظرا لمعرفة قادة الانقلاب بعمق العلاقة بين أردوغان وفيدان فقد استهدفوا مقر الجهاز بقصف جوي مكثف ركزوا فيه على شخص فيدان الذي نجا من الموت بأعجوبة وأصدر أوامره لمنسوبي جهازه بالقتال حتى الموت في موازاة ذلك أثبت رئيس الوزراء بن علي يلدريم نفسه كرجل دولة في سرعة الإعلان عن وجود تمرد داخل صفوف الجيش التركي وأنه جار التعامل معها ، وظل محافظاً على ظهوره وتواجده حتى الصباح .
كما لا يمكن إغفال الظهور الرائع للرئيس التركي السابق عبد الله جل ، ورئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو منددين بالانقلاب ، إضافة إلى رفض رؤساء أحزاب المعارضة الرئيسية للانقلاب .
وعلى عكس انقلابات تركيا السابقة فإن هذه المحاولة الفاشلة واجهت مجتمعاً مدنياً قويا استطاع حشد الجماهير في الشوارع بعد ظهور أردوغان فقد سارع حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى حشد أنصاره ومؤيديه ، إضافة إلى الجهد الرائع الذي قامت به مؤسسة الإغاثة الإنسانية آي اتش اتش التي بادرت بإرسال مئات الآلاف من الرسائل إلى عموم الشعب التركي تطالبه بالنزول والدفاع عن حريته ومستقبله .
ولأول مرة في تاريخ الجمهورية التركية ، تعلو أصوات التكبير من المساجد والتي كان لها دور كبير في إلهاب مشاعر المواطنين .
هذه التحركات الشعبية السريعة والمدروسة أصابت قوات الانقلاب بحالة ارتباك دفعتهم إلى الاستسلام للجماهير الغاضبة ، أو قوات الشرطة التي لعبت الدور الأكبر عسكرياً في حسم المواجهات وذلك لأول مرة في تاريخ الانقلابات العسكرية .
إفشال الانقلاب لم يكن إلا البداية ، فحملة الاعتقالات الواسعة في صفوف الجيش والقضاء تعني أن ما حدث ليلة السادس عشر من يوليو لم يكن مجرد انقلاب مثل سابقه بل كان جزءاً من مخطط أكبر وأوسع يرمي إلى تدمير الدولة التركية وإدخالها دائرة الفوضى مثل جيرانها في المنطقة ما يعني أن مواجهة المؤامرة والقضاء عليها تماماً قد يستغرق وقتاً من الزمن .
_________________________

*كاتب مصري مقيم في اسطنبول   

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة