نور الدين عبد الكريم يكتب: حول رأي “أبي زهرة” في عقوبة الرجم

قال الشيخ أثناء مداخلته في ذلك المؤتمر، إن ما يدفعه للتصريح بهذا الاجتهاد هو مخافة أن يلقى الله وفي جوفه علمٌ كتمه عن الناس، فيحاسبه على ذلك. وعلى الرغم من ذلك لم يشفع له سنّه الذي تجاوز السبعين.. يتبع.

 نور الدين عبد الكريم*
في الحلقة السادسة عشرة من برنامج مراجعات، والذي بثته قناة الحوار خلال شهر رمضان المبارك، تحدث الشيخ يوسف القرضاوي، عن اجتهاد العالم أبي زهرة رحمه الله، في مسألة رجم الزاني المحصن، وذكر أن أبا زهرة، قد بين رأيه هذا في مؤتمر فقهي عُقد في ليبيا عام 1972م. حيث رأى رحمه الله، أن الرجم ليس من شريعة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل كان من شريعة اليهود، وأخذ به رسول الله فترة من الزمن، ثم نزلت آيات في سورة النور، نسخت هذا الحكم وأبدلته بالجلد، بالإضافة إلى غير ذلك من الأدلة العقلية. وهو اجتهاد من الشيخ يخالف فيه ما تناقلته أجيال المسلمين جيلاً عن جيل، أجمعت خلالها – أو هكذا يظهر لنا- على إقامة حد الرجم بمن يزني بعد إحصان.
لن يكون الحديث هنا حول حكم المسألة، وأدلتها، والترجيح بين رأي الشيخ رحمه الله ومن رد عليه من أهل العلم. فربما يكون ذلك في مقال قادم إن شاء الله. لكن ما يلفت الانتباه في هذه القصة، وما يدعو للقلق، هو ردود فعل الناس، عامتهم وخاصتهم حول اجتهادات وآراء بعض العلماء، وهو ذات الموضوع الذي علّق عليه الشيخ القرضاوي بعد سرده لهذه الحادثة وأبدى قلقه من هذه الظاهرة المنتشرة فيما بيننا.
الشيخ أبو زهرة عالم من علماء الأمة المعاصرين، يعرف فضله وفضل علمه كل طالب علم شرعي. فهو من الذين أثروا المكتبة الإسلامية منذ بدايات القرن المنصرم بالمؤلفات، والبحوث، والمقالات. فتجاوزت كتبه الأربعين، ومقالاته نُشرت في مختلف المجلّات العلمية والاجتماعية، أما محاضراته ودروسه، فأكثر من أن تحصى، ومع كل ذلك كتم في نفسه هذه المسألة عشرين عاماً، ولم يبدها خوفاً من ردة فعل الناس، وحنقهم، وتحسباً من أن يطاله وابل التخطيء، وأن تصله سهام الغضب منهم، وربما تخوف من أن يتهموه بالتخوين والتكفير، أو الجهل في أهون الأحوال.
قال الشيخ أثناء مداخلته في ذلك المؤتمر، أن ما يدفعه للتصريح بهذا الاجتهاد هو مخافة أن يلقى الله وفي جوفه علمٌ كتمه عن الناس، فيحاسبه على ذلك. وعلى الرغم من ذلك لم يشفع له سنّه الذي تجاوز السبعين حين استحضر الجرأة وطرح فكرته تلك. فثار عليه المؤتمرون، وهاج الجميع، وهذا ما جعل الشيخ القرضاوي يعنون لتلك الحادثة في مذكراته بـ: “أبو زهرة يفجرّ قنبلة”
طبع لا دين
قد يملك البعض الحق في ردة فعل عصبية أو غاضبة تجاه انتهاك صارخ في الدين، أو هدم في العقيدة، خصوصاً إذا صدر ذلك من شخص لا يعد من أهل العلم ولا من طلابه، لكن من غير المعقول أن تصدر ردة الفعل هذه تجاه عالم جليل اجتهد في مسألة شرعية، استوفى فيها كل وسائل الاجتهاد المشروطة، وبنى رأيه بناءً على فهمه للأدلة النقلية والعقلية، فجاءت النتيجة مخالفة لما عليه الأغلبية.
يغفل البعض، أو قد يتغافل أن الاجتهاد في الدين، والجرأة في ذلك أمر مستحب، بل هو مطلب شرعي للتجديد ولضمان حيوية الدين وديموته، شريطة أن يكون هذا الاجتهاد صادرا عن أهله. لذلك حدد الشرع أجران للمجتهد الذي يصيب الحق، وأجرٌ واحد للمجتهد الذي يخطئ في اجتهاده. 
بطبيعة الحال لم يكن الشيخ أبو زهرة العالم الوحيد الذي ثار عليه الناس لاجتهاده في مسألة معينة، فتاريخ منطقتنا حافل بالكثير من النماذج المشابهة لعلماء اجتهدوا فثار عليهم الناس، بل أحدثوا فتناً وقلاقل أُزهقت بسببها بعض الأرواح. الأمر الذي يعزز فرضية أن ردود الفعل هذه، سببها طبيعتنا وعقليتنا، لا وازعنا الديني أو تمسكنا به.
يذكر لنا التاريخ مثلاً أن الفقيه منصور بن محمد السمعاني المروزي – نسبة إلى مدينة مرو- الذي عاش في القرن الخامس الهجري، كان حنفي المذهب مدة ثلاثين عاماً، ثم اجتهد ورأى أن يتحول إلى المذهب الشافعي، فاضطرب البلد، وهاجت الفتنة بين الشافعية والحنفية بسبب هذا الاجتهاد، ودخلوا في قتال وعراك، كاد ألا يتوقف لولا خروجه من المنطقة وابتعاده حتى نيسابور (حوالي 400 كم غرباً) ولم يتمكن من العودة إلى موطنه إلا بعد فترة من الزمن، حيث سكنت الفتنة ونسيها الناس.
ومثال آخر، في نفس القرن الهجري، يتحدث عن المتكلم أبو نصر القشيري الأشعري، الذي قدم إلى بغداد، وأخذ مجلس علم خاص به، وبدأ يتحدث في العقيدة الأشعرية، ويبين أخطاء المذهب الحنبلي – من وجهة نظره-، وهو ما غاظ أتباعه، فجمعوا فريقهم، وعندما علم القشيري بذلك، جمع فريقه أيضاً، ويقول الراوي أن معركة حصلت بين الفريقين، راح ضحيتها حوالي 20 شخصا، ثم تجدد القتال بينهما بعد حوالي عام، وسقط عشرون آخرون  من كلا الطرفين.
هذه الأمثلة، وغيرها الكثير من التي وردت في كتب التاريخ، تضعنا أمام حقيقة واضحة، وهي أن الكثير من حالات العصبية والغيظ في انتقاد اجتهادات الآخرين، وعدم تقبل آرائهم الفقهية الجديدة، أو المخالفة للمعهود؛ قد تكون نابعة إما عن أسباب شخصية، أو طبيعة بشرية، تتعامل مع كل ما هو جديد بريب وتوجس، بغض النظر عن صاحب هذا الرأي، وبغض النظر عن مكانته، ودرجته العلمية. حتى لو كان عالماً بقدر الشيخ أبي زهرة رحمه الله.   
اتجهوا شرقاً
على النقيض من هذا الاحتقان والتشاحن في التعامل مع الرأي الآخر، نرى هدوءاً واحتواءً ملفتا للنظر، لدى شعوب جنوب شرق آسيا، وبين الماليزيين على وجه التحديد، فمن يخالط هذا الشعب ويتعرف عليه مباشرة سيلحظ خصالاً وصفات لطالما احتاجتها بلادنا العربية، أو الشرق أوسطية. مخالطتي للماليزيين جعلتني أحترم صفة يتبعها أغلبهم، وهي ترك كل فرد وتخصصه، فلا تجد فيهم من يتطفل عليك في أمر لا يعرفه ، بل يترك ذلك لأهل الاختصاص.
وربما يصل الحال بأحدهم أقصى درجات المبالغة، فيسمعُ الإمامَ يخطئ في التلاوة، أو يلحن فيها، فلا يرده ولا يصححه لإيمانه أنه لم يصل إلى درجة علمية تتيح له أن يصحح من يؤم المصلين. ولقد علمت من صديق عمل في تدريس الماليزيين مواد التربية الإسلامية؛ أن بعض الطلاب يستثقل توجيه سؤال للأستاذ أثناء الحصة، لأن البعض قد يعتبرها قلة أدب وعدم احترام للأستاذ.
في هذه البيئة، وبهذه التصرفات البشرية؛ سيجد العلماء متسعا وسعة لإظهار آرائهم واجتهاداتهم، دون تخوف من هجوم أو تخوين. مشكلة بعضنا أنه قد لا يفرق بين إظهار الاحترام للمجتهد على اجتهاده، بغض النظر عن ثمرة هذا الاجتهاد؛ وبين الحكم على هذه الثمرة. فاحترام المجتهد لا يفرض علينا قبول اجتهاده وتطبيقه في كل الأحوال. بل قد يفتي أحد أهل العلم والاجتهاد في مسألة ما، بحكم قد لا يستسيغه البعض، فهذا لا يقتضي أن ننتفض أو نثور أو نغضب لنظهر خطأه. وإنما دورنا الدعاء له بالخير، والثبات على الحق.
لذلك أقول لمن كان طبعه التعصب والانفعال في تقبل كل ما هو جديد، تغرّب شرقاً، فثلاثة أشهر في جنوب شرق آسيا، كفيلة بأن تكسبك التريث والهدوء.

____________________________________ 

*كاتب أردني وباحث في الجامعة الاسلامية في ماليزيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه