محمد منير يكتب: خطبة الجمعة المقروءة على الطريقة العسكرية

واعتبر هذا النص الذي صدر به القرار المساجد المخالفة للخطبة الموحدة هي مساجد تقف ضد جمع الشمل وتوحيد الكلمة، ومن هنا فإن العقوبة هي ضمها للأوقاف.. يتبع.

محمد منير*
ليست المرة الأولى التي تحاول فيها الحكومة، من خلال وزارة الأوقاف، فرض خطبة جمعة موحدة المصدر ، ولكن هذه المرة اختلفت قليلا، حيث إن القرار يفرض الخطبة موحدة المصدر والنص المكتوب، بحيث يصبح دور الإمام قراءة ما تمليه عليه الوزارة من فوق المنبر !!
علاقة المنبر بالحاكم والحكم، علاقة قديمة جداً، بدأت من الالتزام بالدعاء للسلطان أو الحاكم من فوق المنبر، بل إن عهد الحاكم كان لا يبدأ إلا بالدعاء له من فوق منابر الجوامع فى أول جمعة من توليه الحكم.
ربما اختلفت بعض الأراء حول الدعاء للحاكم ، خاصة فيما يرتبط بالخلاف حول عدل الحاكم من عدمه، وأقره كثير من علماء المسلمين، وعلى رأسهم ابن تيمية، وظلت العلاقة بين المنبر والحاكم والحكم تتعلق بالدعاء، ولم تتطرق للخطبة وتنوعها .
في الفترة الأخيرة بدأت تظهر دعاوى الأذان الموحد فى المساجد، بحجة الالتزام بجمال صوتي موحد وربما لاقت هذه الفكرة رواجًا لدى البعض بسبب اقتحام أصحاب الأصوات الرديئة للمساجد وإصرارهم على رفع الأذان .
 ومع الالتباس الدعائي حول استخدام المساجد فى المعارضة للسلطة، بدأت تظهر دعاوى لوضع ضوابط للمساجد في الصلاة والخطب، والحجة حماية المجتمع من استغلال المتطرفين للمنبر ونشر الأفكار الهدامة.
المشهد تطور بعد ذلك، ليتضح أن الحاكم هو من يريد استخدام المنبر والخطاب الديني لدعم شرعيته في الحكم، حيث إن الدعم الدينى والعقائدي لأية فكرة من فوق المنبر لها تستقبل بالتسليم من قبل العامة .
فى النصف الأول من يناير 2014 خرج الفريق عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك والمرشح لتولي الرئاسة بعد الإطاحة بالحاكم المنتخب محمد مرسى، وقال “إن معركتنا القادمة هى تغيير مضمون الخطاب الديني”. ومارست الآلة الإعلامية آنذاك دعاية مكثفة لتظهر الخطاب فى ثوب تقدمى يواجه ما يرونه تخلفا من المد السلفى والأفكار المتطرفة، وهو ما كان يشكل المخاوف (التى مورست الدعاية حولها) من النظام المنتخب  .
وبعد ذلك بأيام قليلة، وتحديدا في 26من  يناير/كانون الثاني 2014 أصدر محمد مختار جمعة وزير الأوقاف قرارًا بتوحيد موضوع خطبة الجمعة فى كل مساجد مصر، وصدر القرار فى حضور نخبة من المشايخ والعلماء والفقهاء. وفي ترتيب بيان إعلان قرار وزير الأوقاف سبق مبررات القرار العبارات المرشدة لآلية التنفيذ على عكس المألوف الذى يربط القرار بمسبباته، حيث تلا نص القرار مباشرة هذه العبارة «الأوقاف هي المسؤولة عن إقامة الجمعة والشعائر فى جميع مساجد مصر، وبما أنها ماضية فى ضم جميع مساجد مصر إليها فإن الأولوية فى الضم ستكون لأى مسجد لا يلتزم بالخطة الدعوية التى تحددها والمنهج الذى تلتزمه من الدعوة إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة دون أى توظيف سياسى حزبى أو مذهبى أو طائفى للمنبر أو للمسجد».. وهو ما يضفى روح السلطة الإلزامية على قرار يخص العقيدة والمعتقد. وبعد ذلك ذكر البيان توضيح القرار ومبرراته على النحو التالى «وإذا كان جمهور الفقهاء أجمع على أن الخطبة لا تنعقد إلا فى المسجد الجامع وبإذن من الإمام أو نائبه، فإن القياس والمصلحة يقتضيان الآن جمع الشمل وتوحيد الكلمة والاجتماع على كلمة سواء، ومن هنا قررت وزارة الأوقاف توحيد خطبة الجمعة على مستوى الجمهورية فى جميع مساجد مصر ابتداء من الجمعة القادمة، علماً أن الوزارة ستكون مضطرة إلى سرعة ضم أى مسجد تابع لأى جمعية لا يلتزم بالخطبة الموحدة ومحاسبة أى إمام أو خطيب لا يلتزم بها”.
واعتبر هذا النص الذى صدر به القرار المساجد المخالفة للخطبة الموحدة هي مساجد تقف ضد جمع الشمل وتوحيد الكلمة، ومن هنا فإن العقوبة هي ضمها للأوقاف، وهو ما يعني أن ضم المسجد للأوقاف عقوبة،
ما علينا. عقب هذا القرار الذى غلف بعبارات عدم استخدام المنابر في الدعاية السياسية، بدأت معركة الانتخابات الرئاسية التى لعبت فيها المنابر دورا أساسيا في الدعاية للسيسى كمنقذ البلاد، بل وصل الأمر لاتهام من لن ينتخبه بالكفر، حتى إن الدكتور علي جمعة، مفتى الديار المصرية السابق، قال فى هذه الفترة “إن الرسول، صلى الله عليه وسلم، حرّم عصيان الحاكم في أوامره بقوله: “من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعنى، ومن عصى الأمير فقد عصاني” وتابع جمعة، خلال حواره مع برنامج “والله أعلم” على قناة “سي بي سي”، بأن “لفظ الأمير هنا ينطبق على الرئيس عبدالفتاح السيسي وتجب طاعته وعدم عصيانه!!”.
الغرض الفقهى من خطبة الجمعة،  والتي يتفق حوله الفقهاء، أنها تشتمل على الموعظة المرققة للقلوب، المفيدة للحاضرين، وأن الحمد لله، أو الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم، وقراءة آية، كله من كمال الخطبة. إذاً فهي ليست مجرد خطبة وعظية، وإنما من الضروري أن تكون مفيدة للحاضرين. واتفق العلماء على أن علاج المشكلات المعاصرة شرط أساسى لخطبة الجمعة.
وأعتقد أن المولى سبحانه وتعالى أكد لنا هذه الحقيقة عندما ربط عمليا تكليفه لبعض أنبيائه بنشر رسالته بين أمم وقبائل اتصف كل منها بصفة سلبية والتزم بسلوك سلبى، وهو ما يؤكد الجوهر العملي للدين، فنبي الله شعيب كان يحمل دعوة إصلاحية لقوم يخسرون الميزان، وهو ما يعني مواجهة الفساد والاحتكار وإرشاد الناس إلى حرمة هذه السلوكيات، ونبي الله لوط نزل برسالة تحريم الشذوذ الجنسى، وسيدنا يوسف عليه السلام كان له دور في حل مشكلة مصر وقت الجفاف، وجمع خاتم المرسلين كل هذا في رسالته التي بعثها بها الله ليؤكد أن الدين ليس مجرد كلمات جوفاء، وإنما هو إدارة عملية للمجتمع وموضوعه ضمائر البشر وقلوبهم، وهذا بالضبط هو رسالة المنبر: مخاطبة ضمائر البشر وقلوبهم، أما التدخل في الترويج السياسي لجماعة أو مجموعة أو دولة فهذا هو الانحراف بعينه عن الدور المنوط بالمنبر.
والشاهد من النص الموحد على طريقة الأوامر المقروءة فى طوابير الجيش الصباحية،  ليس هدفه  جمع المسلمين على كلمة واحدة، بقدر ما هو ترسيم للمساجد وتحويلها لمظلة دعاية وحماية للحاكم حتى لو كان حاكمًا مفروضًا على العباد.

___________________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه