عبير الفقيه تكتب: قصة مُغتصب أطفال تونس ومصر و سريلانكا

هذه القضيّة، ليست الأولى ولا الأخيرة فيما يتعلّق بقضايا التّحرّش واغتصاب الأطفال من طرف أوربّيّين. فالمغرب وتونس ومصر تتصدّر قائمة البلدان العربيّة التي يقصدها الأوربيون بهدف السّياحة الجنسيّة بأنواعها.. يتبع.

عبير الفقيه*

   ضجّت الصّحافة الفرنسية هذا الأسبوع بحيثيات الحكم في قضيّة الكهل الفرنسي ” تييري دارنتيار” الذي يبلغ من العمر 52 عاماً، الذي حُوكِمَ بِـ 16 سنة سجناً، يوم الأربعاء 22 يونيو/ حزيران من قبل محكمة الجنايات فرساي بباريس على إثر ثبات تهمة اغتصابه لـ 66 قاصرا خلال رحلاته السياحية إلى تونس {41} ومصر {6} وسريلانكا {19} تتراوح أعمارهم بين 6 و 17 سنة، في الفترة ما بين 2002 و2011.
قضيّة ذكّرتنا بسابقاتٍ لها لعلّ أشهرها قضيّة “دانيال كالفان” الإسبانيّ، مغتصب أطفال مغاربة  والذي حاز على عفوٍ ملكيٍّ خلال سنته الثالثة في السّجن، من مجموع 30 سنة كعقوبة له من قبل القضاء المغربيّ. وذكّرتنا بأداء القضاء والإعلام العربي تجاه هؤلاء المجرمين وغيرهم من الشّخصيات المشهورة المتورّطة في مثل هذه الفضائح الأخلاقيّة على أراضٍ عربيّة
  القصّة باختصار تتعلّق بـكهل فرنسي مُصاب بالهوس الجنسي تجاه القاصرين. فـبعد سنوات من إخفائه لجرائمه، تمكّنت الاستخبارات الأمريكية {لا الفرنسيّة} من اِكتشاف حقيقته من خلال شبكات التواصل الاجتماعي،  وما أثبتته الشرطة الفرنسية إثر اِقتحام منزله والحصول على قرائن بارتكابه جرائمه المتعاقبة موثّقة بالصّوت والصّورة على 9 أقراص صلبة مخزّنة على حاسوبه. قرائن لم تترك للمتّهم مهربًا. والمؤسِف في الأمر أنّ هذا المُجرم غلّف هوسه غير المشروع بلقبٍ اِجتماعي ومهنيّ وحقوقيّ ضَمَن له اِختراق المجتمعات التي أوقع بفئة من أطفالها. فالرّجل {وهو مدير دار رعاية للمسنين يتبع الكنيسة الكاثوليكية بمنطقة إيفلين في باريس} قصد سريلانكا في مهمّة إنسانيّة على أعقاب تسونامي 2004.
و خلال 21 يوماً، اِستدرج أطفالا على الشاطئ بمقابل مادّي حينًا وبلُقمة رخيصة أحيانًا أخرى. وبحسب اِعترافات تييري نفسه، فإنّ التحرش بالأطفال أيّامها كان صدفة  لكن الأمر تطوّر لاحقا وأصبح ينظّم إجازات خاصة لهذا الغرض. ثمّ حوّل وجهة مغامراته نحو مصر لتكشف التّسجيلات عن جرائم جنسيّة في حقّ 6 أطفال، ثمّ إلى تونس، حيث وفّرت له الظّروف 41 طفلاً.
وحسبما نشرت صحيفة لي بوان الفرنسية إنّ القاضي المكلف بالملف والجهات المختصة أشاروا إلى أنّ مصر وتونس رفضا التعاون وأنّ سيريلانكا هي الوحيدة التي قبلت التعاون في التحقيق. وقد أطلق غياب محاميي خمسين ضحيّة العنان لمحامي المتّهم، فخفّف من وطأة الجريمة معتبرا إيّاها مجرّد نزوات، لكنّه في المقابل ألقى باللّوم على الدول التي تُوفّر التّجارة الجنسية في إطار خدماتها السّياحيّة بدون أيّ رقابة. وقد وصل دفاع المحامي فريديريك شامباني عن المُتّهم إلى تلخيص تُهمة هذا الأخير في “الوقوع في التّسهيلات التّي يوفّرها العميل و مجتمعه” و ما اعترافه بما نُسب إليه إلّا دليلا على ندَمِه. و بناء عليه، فإنّه يستحقّ حُكْمًا مُخفَّفًا.
  ورغم أن ” تييري دارنتيار” اعترف بالاتهامات المنسوبة اليه، إلّا أنّ تبريرات محاميه أثارت اِستنكارا على السّاحة الإعلامية الفرنسيّة، على قدر الاِستنكار الذي أثارته القضيّة نفسها. وفي المقابل، ومن موقع الضحيّة، خلا الإعلام العربي والمواقع الحكوميّة من أي اهتمام بهذه الجريمة الأخلاقيّة. تجاهل مُخجِلٌ أعطى الحقّ لما تفوّه به محامي المتّهم وذكّر المُجتمع الفرنسيّ والأوربي عموما { و استنادا إلى جرائم مماثلة سابقة} أنّ البلدان العربيّة و إنْ سوّقت لنجاحاتها السّياحيّة، فإنّها لا تعدو سوى جنّات لليد العاملة الرّخيصة ومنتجعات خالية من الملاحقات القضائية في حال اِرتكاب جرائم أخلاقيّة باهظة الكلفة إذا تمّ اقترافها على الأراضي الأوربية، من ذلك السّياحة الجنسيّة بكلّ انواعها 
 المُلفت في الأمر أنّ بلدًا مثل تونس، أقام إعلامه الدّنيا ولم يقعد بخصوص قضيّة اِغتصابٍ {حكم القضاء ببراءة المتهم فيما بعد} أيّام حكم التّرويكا، وكانت وزيرة المرأة و الأسرة آنذاك د. سهام بادي عن حزب المرزوقي، اِختيارا لم يرُق للخصوم.
 قضيّة، اِختلطت فيها أقوال الأطراف المذكورة في محضر الحادثة، وكان “المُتّهم” فيها حارس حضانة أطفال، والضحية طفلة  عمرها ثلاث سنوات. وأغرقنا المشهد الإعلامي حينها ببرامج تلفزيونية وإذاعيّة  تتّهم الوزيرة د. سهام بادي بأنها المتهم الأول عن هذه الجرائم في حقّ الطّفولة، كما لو كانت مُطالبة بكشف خبايا سلوك كل الطّاقم التّربوي التّونسيّ، بحرّاسه المنتدبين بطريقة تعاقديّة من خارج الوزارة.
دعوات تزامنت أيّامها مع فعاليّات المنتدى العالمي الاجتماعي في مارس/ آذار 2013، وتجنّدت فيها الوقفات من أمام الوزارة جامعة خصوم الترويكا و ضيوفهم من يساريي العالم، مطالبين بإقالة الوزيرة “المتصالحة جدّا مع حزب النّهضة”. و قد كان هذا التّوصيف كافيا أيّامها لشنّ أي هجوم ضدّها حتّى ولو كانت التّهمة الموّجهة لها واهية. وِقفة رُفعت فيها اللّافتات المزدانة بأفظع الشّتائم والأحذية التي رموها بعد ذلك على حائط الوزارة، وحظت بتغطية قنوات و محطّات إذاعيّة عدة..
  حضرني المشهد باعتباري تونسيّة تابعت التّعاطي الإعلامي والحكومي مع الحادثتين، فخلُصت إلى أنّ التّحرّك على إثر حادثة الاِغتصاب في عهد وزيرة التّرويكا، لم  يكن حرصا على حماية الطّفولة، بل كان سياسيّا باِمتياز، و كان  رأس الوزيرة هو المطلوب من ورائه. نفس هذا الإعلام، على اختلاف وسائله لم يجتهد في تأمين برنامج محترم يناقش حيثيّات الجريمة الأخيرة ويُحرج الحكومة بتقديم تفسير مُقنع لرفضها التعاون مع الأطراف الفرنسيّة لمحاولة اِسترجاع ما يمكن اِسترجاعه من حقوق ضحاياه، أو على الأقلّ اِستنكار ما صرّح به محامي المتّهم في ما يتعلّق بما تبقّى من سُمعة البلد.
 وفي الحقيقة، لم أنشغل بما أثارته القضيّة في الأوساط المصريّة، لاّنّ البرامج الرّمضانيّة لا أظنّها تركت مجالا لمساحة في الإعلام حتّى يُناقش فيه موضوع اغتصاب فرنسيّ لأطفالٍ مصريّين  في سنة 2011، فمصر اليوم، يُغتصب  فيها الطّفل والكهل في مراكز الشّرطة وخارجها كلّ يوم بأيادٍ محلّية. ثمّ إنّه من الطّبيعيّ أن ترفض الحكومة المصريّة تتبّع الجاني الفرنسيّ في قضيّة أخلاقيّة، فقضيّة موت المواطن الفرنسيّ “إيريك” تحت التّعذيب في مركز إيقاف بالقاهرة مازالت محلّ تحقيق، وتحريك قضيّة “اغتصاب أطفال” الأن، تُعتبر من الرفاهية بمكان. 
  ولعلّ من البديهي، أنّ هذه القضيّة، ليست الأولى ولا الأخيرة فيما يتعلّق بقضايا التّحرّش واغتصاب الأطفال من طرف أوربّيّين. فالمغرب {و إن غابت في هذه القضيّة} وتونس ومصر تتصدّر قائمة البلدان العربيّة التي يقصدها الأوربيون بهدف السّياحة الجنسيّة بأنواعها. أمّا بقيّة البلدان العربيّة فليست بمنأى عن باحثي المُتعة، ووقوع هؤلاء كان بسبب تورطهم في جرائم محلية في بلدانهم الغربية.
 المؤسف هنا هو” التسّهيلات” التي توحي بها حكومات هذه الدّول لهؤلاء الشّواذ، وسخاؤها في التّسامح معهم حتّى في حالة القبض عليهم متلبّسين بجرائم ثابتة تتجاوز عقوباتها عشرات السّنين حسب تفاوت فظاعتها. ولا أدلّ على ذلك من قضيّة “دانيال كالفان” في 2013، الكهل الإسباني الذي قبع في سجون المغرب ثلاث سنوات على إثر قضايا اغتصاب أطفال في القنيطرة، وشمله العفو من الملك شخصيا في عيد العرش، عقب زيارة الملك خوان كارلوس ومحادثات ثنائية سرّية بين البلدين. أثبت  الإعلام الإسباني آنذاك، والعُهدة على مقال صادر في جريدة “الباييس” في شهر أغسطس/ آب أنّ المُتّهم ينتمي لجهاز المخابرات الإسبانيّة، لذلك وقعت إضافة اسمه إلى قائمة الأربعين سجينا حظوا بعفوٍ ملكي، وتمّ ترحيله إلى إسبانيا على الفور بجواز سفرٍ منتهي الصلاحية!.
  معاملات تُثبت أن حكوماتنا بعيدة كلّ البعد عن التعامل القانوني والأخلاقي مع هذا النّوع من الجرائم، بل إنّها مشروطة بأبعادٍ سياسيّة في الغالب، والدّليل على ذلك أنّ هذه الجرائم تُمرّر كما أنّ شيئا لم يكن إذا كان مُقترفها يحظى بوزن مالي أو سياسي لدى الدّولة المُقابلة، من ذلك نذكر صَوْلات ” فريديريك ميتران” ابن الرئيس الفرنسي الرّاحل فرنسوا ميتران في تونس، وثبوت اغتصاب وزير فرنسي سابق لأطفال في مراكش بالمغرب، إلّا أنّ الطرفين المغربي و الفرنسي تحفّظا على ذكر اسمه وهدّدا عائلات الضّحايا.
والقائمة تعجّ بأثرياء اعترفوا بازدهار السياحة الجنسيّة في البلدان الثلاثة المذكورة.

__________________________

*كاتبة تونسية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة