مقالات

عبد القادر عبد اللي يكتب: هل أخطأ أكراد تركيا؟

كان هدف الذين دعموا حزب العمال الكردستاني لفتح الجبهة داخل تركيا هو الضغط على هذا البلد، وجعله ينكفئ على نفسه، ويعود إلى ما كان عليه في تاريخه السابق دولة منغلقة تلبي أوامر حلف شمال الأطلسي دون مناقشة. يتبع

عبد القادر عبد اللي*

قبل سنة ونيّف، اشتعلت الحرب من جديد بين السلطات التركية وحزب العمال الكردستاني بعد هدنة دامت سنوات، وتبنت منظمة صقور حرية كردستان العمليات الأولى ضد القوى الأمنية التركية، وبهذا اعتبرت هذه المنظمة هي التي خرقت الهدنة.

ومهما حاول العمال الكردستاني التنصل من هذه المنظمة، وعملياتها فهي جزء منه، وهذا ما أثبتته الأيام اللاحقة فهي التي تبنت العمليات الانتحارية في أنقرة وإسطنبول، واحتفى بها حزب العمال الكردستاني.

قبل اشتعال هذه الحرب، كانت ضحية على الأقل من مقاتلي هذا الحزب الذين يسقطون في المواجهات بين صنوه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي وتنظيم الدولة الإسلامية “داعش” تأتي من سورية إلى تركيا يومياً. وبعد انتهاء مرحلة وقف إطلاق النار، لم يعد يأتي أي تابوت من سورية، ويمكن اعتبار هذا مؤشراً على انتقال مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سورية إلى تركيا.


خلال عام دخلت الولايات المتحدة الحرب في الشمال السوري فعلياً إلى جانب قوات سورية الديمقراطية التي يشكِّل حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي) عمودها الفقري، وتخوض هذه القوات معارك شرسة من أجل تثبيت سيطرتها على الشمال السوري كاملاً.

ولكن بين الفترتين -أي بين فترة اشتعال الحرب في تركيا، وبدء الحرب في الشمال السوري- مرّت سنة كاملة؛ خسر حزب العمال الكردستاني في هذه السنة -وفق التصريحات التركية أكثر من سبعة آلاف وخمسمائة مقاتل- علماً أن العمال الكردستاني لا يعلن عن مجموع ضحاياه.

بتعبير آخر خسر الحزبُ قوته الكبرى في هذه الحرب دون أن يحقق أي مكسب على الأرض في تركيا، وحتى إنه اليوم يحاول بشتى الطرق العودة إلى الوضع الذي كان عليه قبل سنة، ولكن الحكومة التركية هي التي ترفض هذه العودة.

لنسأل السؤال الافتراضي الآتي: لو لم تُفتح هذه الجبهة في تركيا، وانتقلت قوة حزب العمال الكردستاني إلى سورية، وكان الألوف من المقاتلين الكرد يقاتلون داعش بغطاء جوي أمريكي، ماذا كان سيحدث؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست صعبة، كان الحزب بهذه القوة الهائلة سيتمكن من السيطرة على الشمال السوري، والقضاء على داعش في هذه المنطقة، وإغلاق الحدود التركية بشكل تام، وبهذا يحقق المطلب الروسي الذي يعمل بوتين بكل ما أوتي دبلوماسياً وعسكرياً من أجل تحقيقه، وفي الوقت نفسه يحقق طموحاته القومية، ويطغى على خصومه من الأحزاب الكردية الأخرى، وتصبح بيده ورقة قوية للضغط على تركيا.

ولكن هكذا قرار لا يمكن أن يتخذه حزب شمولي إستراتيجياته تعتمد على التناقضات فقط. وفي هذه الأحزاب ليس هناك أنصار، بل تابعين بشكلٍ أعمى. لذلك تم توجيه اللوم إلى الحكومة التركية.

من ناحية الدعاية السياسية يمكن لحزب العمال الكردستاني أن يوجه الإدانة للحكومة التركية، ولكن ألم ترتكب قيادته أي خطأ؟ هل كانت قيادة هذا الحزب تحسب أنها ستخوض هذه الحرب، ولا ترد الحكومة التركية، وتقف أمامه مكتوفة الأيدي؟ هل يستطيع أحدٌ من أتباع هذا الحزب أن يوجّه اللوم لهذه القيادة؟

الضغط على تركيا
لقد كان هدف الذين دعموا حزب العمال الكردستاني لفتح الجبهة داخل تركيا هو الضغط على هذا البلد، وجعله ينكفئ على نفسه، ويعود إلى ما كان عليه في تاريخه السابق دولة منغلقة تلبي أوامر حلف شمال الأطلسي دون مناقشة أو تردد، ودون حساب لمصالحها القومية. يمكن أن يكون هذا الهدف قد تحقق جزئياً، ولكن تحقيقه لم يكن ليحصل أيضاً لولا الموقف الأمريكي في معارضته للحكومة التركية، ولكن ما الذي حصل عليه الأكراد بالمقابل؟

يبدو أنهم مقتنعون بأنهم سيحصلون على الشمال السوري بسهولة، حتى إنهم بدأوا يصرّحون بأن اتفاقاً سرياً تم بين تركيا والولايات المتحدة حول منح الشمال السوري للأكراد.

المنطق يقول إن وضع المقاتلين الكرد في الشمال السوري ضد داعش لن يكون سهلاً بعد فتح الجبهة ضد الحكومة التركية، ومازال الكرُّ والفرُّ يدور في منطقة منبج فقط. ومهما حاول حزب العمال الكردستاني مع الحكومة التركية للعودة إلى ما كانت عليه الأمور قبل سنة، فإن الحكومة التركية ليست غبية لتقبل، فهي تعرف أن قبولها يعني تحوّل مقاتلي هذا الحزب فوراً إلى سورية، وخنق تركيا من الجنوب، وسيطرة الأسد على سورية من جديد بمساعدة القوات الإيرانية والروسية.

بعد هذه الخسائر التي مُني بها حزب العمال الكردستاني في الحرب مع القوى الأمنية التركية، يدخل حرباً جديدة ضد داعش. إذا كان الأمريكان قد اتخذوا قراراً بإنهاء داعش، فهذا يعني أنها ستنتهي، وداعش أساساً منظمة وظيفية تنتهي بانتهاء مهمتها، وكلٌ من الأطراف المتصارعة له بها مأرب ما. ولكن من سيدفع الثمن البشري لإنهاء هذه التنظيم؟
لا شك أن قوات سورية الديمقراطية التي يشكّل حزب الاتحاد الديمقراطي عمودها الفقري هي التي ستدفع الثمن، ومن المتوقع أن تخرج هذه القوات بعد هذه الحرب ضعيفة منهكة، فهل ستتمكن من التمسك بالأرض والمدن المدمرة نتيجة الحرب؟ أليس من الممكن أن تدخل تركيا المعركة بفاعلية أشد بعد هذه النهاية من خلال المجموعات المسلحة الأخرى التي تدعمها، وتعيد هذه القوات إلى كنتوناتها غير المتواصلة جغرافياً كما تطمح تركيا؟ وهل ستكون هذه العملية صعبة بعد أن تُنهك هذه القوات؟
صحيح هي افتراضات، ولكنها افتراضات ليست بعيدة. وبناء على هذا الافتراضات هل ارتكبت قيادة حزب العمال الكردستاني خطأ استراتيجياً أفقدها فرصة تاريخية بعودتها إلى الحرب في تركيا؟ وفيما لو كانت قد ارتكبت هذا الخطأ فمن سيحاسبها؟ والأهم من هذا كم سنة تحتاج من أجل تعديل وضعها إلى ما كانت عليه قبل عام فقط؟

________________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة