مقالات

ابتسام تريسي تكتب: الفرق بين الفتح والاحتلال.

ابتسام تريسي*

ما أراه فتحاً قد تراه احتلالاً، الفرق يكمن في زاوية الرؤية. لهذا نظر العرب على مدى قرون إلى الوجود العثماني في بلادهم على أنّه “فتح” وأطلقوا عليه هذه التسمية في كتب التاريخ والكتب المدرسية؛ بينما أطلقوا على الوجود الفرنسي والإنجليزي اسم “احتلال” مع أنّ الواقع يروي أنّ كلا الطرفين أخذ الحكم بالقوة وبالمعارك.

العثمانيون حاربوا المماليك وسيطروا على الوطن العربي، والإنجليز والفرنسيون والإيطاليون أيضاً أخذوا البلاد من العثمانيين بالمعارك وبالقوة.

إذن نحن مع تسمية ملتبسة لوجود أغراب عن أرضنا فيها، نقبل التسمية بحكم انتمائنا الديني أحياناً وهذا سبب رئيس في تسمية الوجود العثماني فتحاً.

لكن كيف يرى الآخرون الوجود العثماني في بلادنا والبلاد الأخرى التي تعرضت للغزو أو الفتح أو الاحتلال؟ الغرب عموماً ينظر إلى الشرق الساحر من بعيد فيراه شعلة غامضة تجذبه لاكتشاف الأسرار والخفايا المثيرة، لكنّه عندما يريد احتلال تلك البلاد يتعامل معها بعنف محيّداً عواطفه وربّما يكمن الاختلاف هنا بين نظرة العسكري ونظرة الكاتب أو الفيلسوف، أو الباحث التاريخي.

في كتابه قصة الحضارة في الجزء الثالث الخاص بالهند يتحدث ديورانت عن “احتلال المسلمين للهند” ويروي التاريخ الدموي والمخرّب لذلك “الاحتلال”، ثمّ يتحدث بطريقة مختلفة تماماً عن الاحتلال الإنجليزي لها. فيقول عن الأوّل إنّ قصصه “أكثر قصص التاريخ تلطخاً بالدماء، على أيدي جماعة من الهمج!”، بينما يعتبر ما فعله الإنجليز “مجرد أخطاء سببها أبناء البلد المحتل”!

فمن وجهة نظره أنّه لا يوجد مكان في الشمال لم يقوّض المسلمون فيه تلك الروائع العمرانية، فقد أطاحوا برؤوس التماثيل، وعدلوا من الأعمدة الرشيقة في معابد “الجانتيين” بحيث تصلح لمساجدهم، ثمّ قلدوها فيما صنعوه لأنفسهم. ويؤكد أنّ الهندوس المتمسكين بأصول عقيدتهم هجروا المعابد وأهملوها بعد أن دنستها أيدي المسلمين حين مستها.

ومما يرويه أنّ حكم المغول شهد آخر مراحل النصر التي بلغتها العمارة الهندية، إذ برهن أتباع (محمد) على أنّهم أساتذة في فن البناء حيثما حلوا بقوة سلاحهم، غرناطة، والقاهرة، وأورشليم، وبغداد، فقد كان المنتظر من هؤلاء الرجال الأشداء بعد أن يوطدوا ملكهم في الهند على أركان ثابتة، أن يقيموا على هذه الأرض التي “فتحوها” مساجد في تأنق (مسجد عمر) في بيت المقدس، وفي ضخامة مسجد (السلطان حسن) في القاهرة، وفي رشاقة قصر الحمراء، نعم، إنّ الأسرة المالكة (الأفغاني) استخدمت رجال الفن الهندي، واقتبست أسس الفن الهندوسي بل نقلت الأعمدة من معابد الهنود وعدلت فيها بما يجعلها ملائمة لأغراضهم في العمارة، بحيث لم يكن كثير من المساجد سوى معابد هندية أعيد بناؤها لصلاة المسلمين، لكن هذه المحاكاة سرعان ما تحولت إلى طراز يمثل النزعة الإسلامية تمثيلاً يبلغ من الدقة حداً يثير فيك العجب أن ترى تاج محل في الهند ولا تراه في فارس أو شمال أفريقيا أو إسبانيا.

والبناء الذي يمثل مرحلة التطور هو (منار قطب) الذي أمر ببنائه قطب الدين أيبك، في دلهي القديمة تخليدا لذكرى انتصارات هذا السلطان السفاك للدماء على الهنود ولقد انتزعت أجزاء سبعة وعشرين معبداً هندياً لتتخذ مادة لبناء هذا المسجد ومنارته، وقد صمدت المنارة العظيمة لعوامل الجوّ سبعة قرون ويبلغ ارتفاعها مائتين وخمسين قدماً، وهي مبنية من الحجر الرملي الأحمر الجميل، والنسب بين أجزائها غاية في الجمال.

أمّا عن الاحتلال البريطاني للهند فيقول ديورانت:
لقد كان حصن دلهي يشتمل على 52 قصراً، لم يبقَ منها إلا 22، فقد احتمت بالحصن حامية بريطانية داهمها الخطر في ثورة سيبوي وقوضت عدة قصور لتخلي مكاناً لعدتها كما وقع نهب كثير، وبالنسبة لتدمير حصن “أجرا” الذي أصبح اليوم أنقاضاً يقول:
(كان خطأً يؤسف عليه من شاه جهان (وهو باني القصر) أن يجعل تلك القصور الجميلة حصناً، فلما حاصر البريطانيون “أجرا” سنة 1803 لم يكن لهم بد من توجيه مدافعهم إلى الحصن، ورأى الهنود قنابل المدافع تدك المحل الخاص (أي قاعة الاجتماعات الخاصة) فاستسلموا ظناً منهم أنّ الجمال أنفس من النصر، ولم يمضِ وقت طويل حتى جاء “وارن هيستجر” فخلع الحمّام من القصر ليقدمه هدية إلى الملك جورج الرابع، وبيعت أجزاء أخرى من البناء بأمر من اللورد (وليم بنتنك) إعانة لدخل الهند! وهذا الوليم يُعدُّ من أرحم من حكم الهند!
ويستمر التاريخ بإطلاق مسميات ملتبسة على الحروب في الشرق، فمعظم العراقيين كانوا يرون في الاحتلال الأمريكي “منقذاً ومخلّصاً” لهم من حكم صدام حسين.

أمّا في سوريا فمعظم الشباب الذين انضووا تحت راية داعش يرون فيها دولة خلافة ستزيل الحدود بين الدول الإسلامية، وسيكون فتحاً مبيناً لها للدول العربية تعيد فيه أمجاد الفتوحات الإسلامية، وستكون “المنقذ والمخلّص” من الحكم العلماني الكافر.

 والسلاح حين يحكم البشر يفرض وجهة نظره الخاصة على التاريخ.

____________________________

*روائية سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة