نصر الدين قاسم يكتب: الجزائر.. اجترار تعديلات لا طائل منها

نصرالدين قاسم
أدخل الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة تعديلا جزئيا على الحكومة يعد الخامس من نوعه في مسار الحكومة التي شُكلت في سبتمبر من عام 2012، بمعدل تعديل كل تسعة أشهر. التعديل مس خمس وزارات ذات صلة بالقطاع الاقتصادي، واستحدث وزارة منتدبة جديدة تُعنى بما يسمى الاقتصاد الرقمي. وبموجب هذا التعديل أنهى رئيس الجمهورية مهام خمسة وزراء يتقدمهم عميد الوزراء وزير السياحة عمار غول الذي تقلب في المناصب الوزارية طيلة سبعة عشر عاما، ووزير المالية المثير للجدل بكثرة تحاليله وتناقضها عبدالرحمن بن خالفة، ووزير الطاقة صالح خبري، ووزير الفلاحة سيد أحمد فروخي الذي أثارت تنحيته تساؤلات ظلت دون إجابة، ووزير العلاقات مع البرلمان الطاهر خاوة..
بيان رئاسة الجمهورية كان مقتضبا لم يحمل أية إشارة لدوافع التعديل، وأهدافه، لكن الاعلام الرسمي اسهب في تفسير مبررات التغيير ولخصها في الحرص على الانسجام الحكومي والكفاءة في التسيير، مثمنا ما يتمتع به الوزراء الجدد من كفاءة واقتدار، تماما كما ثمن كفاءة المغادرين يوم عُينوا عقب تعديل سابق. غير أن الكثير من المحللين رجحوا مؤشر النجاح والفشل في تحديد خيارات رئاسة الجمهورية، مؤكدين أن فشل هؤلاء الوزراء في الالتزام بتعهداتهم في النهوض بالاقتصاد الوطني تنفيذا لبرنامج رئيس الجمهورية هو الذي عجل رحيلهم.
الفشل سمة مشتركة

ويستشهد هؤلاء المحللين بالتقارير الدولية المحذرة من عواقب وخيمة للسياسة الاقتصادية الحالية: صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والوكالة الدولية للطاقة،  التي تكون أقنعت السلطات في الجزائر بضرورة تغيير عدد من الوزراء، خاصة وأن الجزائر مقبلة على سنوات عجاف تنتوي أن تنتهج فيها نموذجا اقتصاديا جديدا تكون وضعت معالمه الأساسية مع شركائها الاقتصاديين (أرباب العمل) والاجتماعيين (اتحاد العمال والنقابات الأخرى).
غير أن الحصيلة العامة لأداء الحكومة، والواقع الذي تعرفه الكثير من القطاعات الوزارية تستبعد أن يكون مؤشر النجاح والفشل هو المسطرة المعتمدة في إجراء التعديلات، ذلك لأن في الحكومة قطاعات وزارية أكثر سوءا وأكثر عجزا وفشلا من كل هؤلاء المنهية مهامهم، بل إن بعضها غارق في العجز تتخطفه الفضائح من كل مكان، وإن كان الفشل سمة عامة من سمات الحكومة الحالية وهذا باعتراف كبار مسؤوليها تلميحا تارة أو تصريحا في مرات أخر.
“المؤامرة”.. ذريعة لتغطية الحقيقة
قطاع التربية مثلا عرف مشاكل لا أول لها ولا آخر وفضائح غير مسبوقة بدأت بالاحتجاجات النقابية ثم أزمة الأساتذة المتعاقدين… واختتمت بتسريب واسع لأسئلة شهادة الباكالوريا وغش في الامتحانات أرغم الحكومة على إعادة تنظيم امتحانات شهادة الباكالوريا في بعض الشعب عبر ولايات الوطن. هذا الاخفاق والفشل الذريع في تسيير القطاع ربما هو الذي جعل السلطات تتمسك بوزيرة القطاع وتقدمها على أساس أنها ضحية مؤامرات، لا على أساس أنها غير قادرة على تسيير قطاع حيوي وحساس مثل قطاع التربية الوطنية. 
كما أن الرأي العام الوطني كان ينتظر تنحية بعض الوزراء الذين وردت أسماؤهم في تقارير دولية عن الفساد كما هو شأن وزير الصناعة – على سبيل المثال – المتهم في فضيحة أوراق بنما بامتلاكه شركة وهمية وتهرب ضريبي بقيمة 700 ألف أورو. أو وزراء أثبتوا فشلهم وعدم قدرتهم على تسيير قطاعهم ومواجهة مشاكله على غرار وزيرة البريد وتكنولوجيات الإعلام والاتصال التي لم تتمكن حتى من حل مشكلة انقطاع الأنترنيت أسبوعا كاملا عن كافة مؤسسات البلاد.. أو وزراء كانوا السبب في عدم استقرار قطاعهم بتخبطهم وفشلهم في تطبيق القوانين او اعتماد مكاييل متعددة في تطبيقها كما يفعل وزير الاتصال الذي دخل في مشاحنات مع عديد المؤسسات الاعلامية بقرار تشميع بعضها كقناة الوطن الجزائرية وتهديد بعض القنوات والجرائد “الخارجة عن الصف” بالغلق والتصفية، والإساءة لمبدأ حرية التعبير والاعلام الذي ظل يرافع من أجله رئيس الجمهورية ويتعهد باحترامه وترقيته..
السلطة في قفص الاتهام
بل إن وسم وزير الفلاحة بالفشل لتبرير تنحيته، لا يستقيم مقارنة ببقية القطاعات التي تُقدم على أنها ناجحة، ذلك لأن قطاع الفلاحة شرع لأول مرة بعد عشرات السنين من العجز والندرة، في تصدير بعض منتوجاته إلى دول أوروبية وعربية وافريقية. فقبيل تنحيته وفي بحر الأسبوع الذي أنهيت فيه مهامه كانت شحنات البطاطس متجهة إلى البحرين وكوت ديفوار وأخرى ستبحر إلى الغابون ودبي وغيرهما.. وهذا ما لم يجد له المتابعون تفسيرا موضوعيا. قد لا يكون للوزير أي فضل في ذلك لكنه تحقق أثناء رئاسته للقطاع مما ينفي عنه تهمة الفشل ولو شكليا..
وكما أن مسطرة الفشل غائبة في تقييم السلطة لوزرائها، كذلك هي غائبة اعتبارات احترام العدالة والقضاء، حسب بعض المختصين – على رأسهم رئيس الجمعية الجزائرية لمكافحة الفساد – الذين اتهموا الحكومة بضرب مصداقية العدالة في الصميم بتعيين وزيرين مازالت العدالة لم تفصل بعد في قضيتيهما.. وبتعمد عدم الحرص على تنفيذ القوانين والتشريعات فيما يخص مسألة تصريح المسؤولين بممتلكاتهم وإهمالها حتى لم يعد لها أي ذكر.
ضعف برامج.. أزمة رجال، أم سوء اختيار!؟
ولأن أسباب ودوافع التعديل الحكومي غامضة وغير واضحة، فإن نتائجها ومستقبلها لا يمكن إلا أن يكون غامضا لأن ليس ثمة من المؤشرات ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الوزراء المعينين أفضل وأحسن من المغادرين، فالعديد منهم كانوا قريبين جدا من سابقيهم أو من معاونيهم ومع ذلك لم يقدموا الإضافة المرجوة فمن أين لهم أن يكونوا أفضل مما كانوا.. فوزير المالية الجديد كان وزيرا منتدبا لدى وزير المالية مكلفا بالميزانية والاستشراف، ولم يكن خارقا للعادة وليس أدل من ذلك أن العجز في الميزانية مرشح لتجاوز عتبة  30 مليار دولار نهاية هذا العام 2016.. ووزير الطاقة كان مديرا عاما لإحدى كبريات شركات الطاقة الجزائرية شركة الكهرباء والغاز، ووزير الفلاحة كان أمينا عاما لوزارة الفلاحة، ووزير السياحة كان وزيرا للموارد المائية…
ولعل ذلك ما يضفي مشروعية أكثر على التساؤل الذي يطرحه كثيرون في الجزائر بعد كل هذه التعديلات والاخفاقات، هل المشكل في البرامج أم في الرجال، أم في السلطة والمواصفات التي تعتمدها في اختيار “الكفاءات”، أم في هذه “الكفاءات” المختارة  نفسها.. والظاهر أن الإجابة على هذا التساؤل بكل موضوعية ستكون مفتاح بداية الحل.. بداية النجاح

____________________________

*كاتب وصحفي جزائري.

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه