عبد الرزاق قيراط يكتب: تفكيك الإسلام السياسيّ بقيادة الغنوشي

عبد الرزاق قيراط*

كلّ الأحداث التي تحيط بنا تؤكّد حقيقة لا غبار عليها، وهي أنّ العرب لا يحبّون التغيير. وما الثورة المضادّة التي موّلوها وسلّحوها إلاّ دليلا قاطعا على الخوف من ويلات الربيع العربيّ الذي أطاح بحكّام تشبّثوا بمناصبهم عقودا طويلة، فشكّل سقوطهم مصيرا مرعبا لأمثالهم. ونتيجةُ ذلك الرعب باديةٌ في ما نراه اليوم من حروب وفتن لمحاصرة الثورات والقضاء عليها. ولكنّ هتاف الجماهير “الشعب يريد إسقاط النظام”، مازال يعشّش في كوابيس المستبدّين بالرغم من الجهود التي بذلها “الحكّام الجدد” لطمأنتهم وهم يكرّرون التزامهم بأنّ “الثورة ليست للتصدير”.
ظهرت تلك التطمينات لدى جميع المسؤولين التونسيّين الذين تولّوا حكم البلاد بعد الثورة، فقال المنصف المرزوقي أثناء فترته القصيرة:” إنّ تونس تريد أطيب العلاقات مع كلّ البلدان، ونحن قد قمنا بثورة لا ندّعي أنّها نموذج ولا نريد تصديرها، ونحن لا نتدخل في شؤون أيّ دولة “.
وشكّل فوز السبسي باعتباره معاديا للثورة وأهدافها حدثا مطمْـــئِـــــناً في حدّ ذاته، إذْ أزاح المرزوقي المعارض الشرس لأنظمة الاستبداد. ومع ذلك، حرص الرئيس العجوز الذي عمل طويلا مع بورقيبة، على القيام بجولة عربيّة لتبديد بقايا خوف العرب وريبتهم من التجربة التونسيّة الفريدة من نوعها. فصرّح بمناسبة زيارته للمملكة الأردنيّة بأنّ الثورة التونسيّة “غير مؤهّلة للتصدير”. وقال في البحرين “إنّه لا مجال هنا للحديث عن تصدير للثورة كما تفعل دول أخرى للتغطية على مطامعها ورغباتها التوسّعية”. وكان لافتا في حملته الانتخابيّة التزامه المبكّر بذلك المبدأ، فجعله ضمن وعوده ذات الأولويّة في سياسته الخارجيّة مؤكّدا في جلّ خطاباته أنه لن يعمل على تصدير نموذج الثورة التونسية إلي الخارج، في صورة فوزه بالرئاسة…
النهضة الجديدة.
ولا تقتصر طمأنة السبسي لأشقّائه العرب، على محاصرة الثورة التونسيّة، وإفراغها من أهدافها، بل تمتدّ إلى نهجه في التعامل مع حركة النهضة الإسلاميّة على نحو أدّى إلى تونستها، وتبرئتها من التبعيّة للتنظيمات الإسلاميّة المُعَوْلَمة على غرار جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير. وساهم المؤتمر العاشر لحركة النهضة في ترسيخ ذلك الانطباع بعد إقرار “الفصل بين الدعويّ والسياسيّ”، لتلتزم الحركة في قادم السنوات بالتخصّص في العمل السياسيّ والكفّ عن توظيف الدين لغايات سياسيّة. لكنّ “الإنجاز الأهمّ” الذي توّج أعمال المؤتمر هو إعادة انتخاب الشيخ راشد الغنوشي رئيسا للحركة، وهو في سنّ الرابعة والسبعين من العمر. فليس من حدثٍ مطمئنٍ لأغلب الحكّام العرب مثل بقاء الشيوخ في مناصبهم مدى الحياة، مع تبرير بقائهم بما يُـــكَـــرّر على مسامع الشعوب من إشادة  بالزعيم الأوحد، والبطل الشجاع، والأب الحنون الذي لا مثيل له ولا بديل عنه، لأنّه الضامن لاستقرار الأوطان وسلامتها من كيد الأشرار.. وفي سياق تلك القوالب التي تُــذكر لتبرير بقاء “الزعماء التاريخيّين”، قال القياديّ العجمي الوريمي:”إنّ النهضة مقتنعة بضرورة بقاء الغنوشي على رأس الحركة في الفترة المقبلة، وإنّ تونس والنهضة في حاجة للدور الهام الذي يلعبه الغنوشي”… ولعلّه من المفيد الإشارة إلى أنّ الغنوشي لن يكون رئيساً شرفيّاً، وإنّما سيحافظ على صلاحيّاته الواسعة التي تسمح له بتعيين أعضاء المكتب التنفيذيّ، وهي الصلاحيات التي نوقشت أثناء المؤتمر في محاولة جديّة (ولكنّها فشلت) لتقليصها ببدائل ديمقراطيّة تقوم على الترشّح والانتخاب بدل الترشيح والتزكية.. وبقاء تلك الصلاحيات بيد الغنوشي، عامل مُريح هو الآخر، لأنّه سيكون زعيما بذات المواصفات المعروفة في الأنظمة العربيّة التي تكرّس احتكار السلطات والتفرّد بها…
مصالحة وتطبيع.
يمثّل بقاء الغنوشي على رأس الحركة من جهة أخرى ضمانة للوفاء بتعهّداته التي قطعها على نفسه في الداخل والخارج، حتّى لا يُسقِطَها معارضون له ولها من دعاة الإصلاح في صلب الحركة… والمقصود بتلك التعهّدات أنّ الشيخ، بالإضافة إلى التزامه بأنّ ثورة تونس ليست للتصدير، ساند حكومة الحبيب الصيد بالرغم من فشلها الصارخ، وأرسل بالكثير من الإشارات الإيجابيّة لرجال بن علي، فرجعوا بقوّة إلى المشهد السياسيّ والإعلاميّ، مستغلّين تسامح النهضة، وانخراطها في الدعوة إلى مصالحة شاملة، يعتبرها الغنوشي لازمة لتصفية الملفّات القديمة وطيّ صفحة الماضي “حتى تتّجه تونس متخففة من أثقالها متضامنة متغافرة متعافية من كلّ الأحقاد والثارات”.
وبناء على ما تقدّم بيانه، يسود الاعتقاد لدينا بأنّ ما تغيّر في حركة النهضة، لا يتعلّق بالفصل المنهجيّ بين السياسيّ والدعويّ الذي أثار جدلا لم ينته صخبه إلى اليوم، بقدر ما يمثّل مرحلة متقدّمة في مسار عمليّة التفكيك لأيديولوجيا الإسلام  السياسيّ. وبذلك تأمل الحركة في تطبيع علاقتها مع الواقع التونسيّ والعربيّ الذي لا يطمئنّ إلى الأحزاب ذات المرجعيّة الإسلاميّة والتوجّهات الثوريّة أو الديمقراطيّة، ولا يرغب في التعامل مع الأصوات الداعية إلى “التدافع” والتداول على الحكم. ولعلّها ستحصل في المقابل على مناصب جديدة في مواقع القرار، لتشريكها أو توريطها في حسم ملفّات شائكة مادامت ملتزمة بحماية مصالح النظام القديم الذي نجح في ترويضها أو نجحت في تكليفه بذلك الدور بعد اتفاق وتنسيق يجبّ ما قبله. عندئذ، يجوز لمن يهمّه الأمر أن يعلن تأبين الثورة وطيّ صفحتها نهائيّا، أملا في عودة الهدوء الشامل إلى البيت العربيّ المضطرب، حيث يعتقد الراسخون في الحكم أنّ الثورة بدعة، “وكل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار”، حسب الخطاب الوعظيّ أو الدعويّ الذي يبقى مطلوبا لتبرير صفقات وخيانات، وتحقيق مآرب أخرى بالمنطق السياسيّ الصرف الذي سيزداد قبحاً بعد سقوط الأقنعة واللّحى.

__________________________

*كاتب تونسي 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة