عبير الفقيه تكتب: بين إمامة “إلهام” و حجاب “مانويلا”!

عبير الفقيه* 
   عجّت مواقع التّواصل الاجتماعي وبعض الصّحف، بصورة الإمامة “حليمة جوساي حسين” و هي تؤمّ  صلاة الجمعةٍ في مسجد يقع في بيت الأديان بالعاصمة السّويسريّة بيرن،  في إطار ” مبادرة المسجد الشامل” على مسافة أسبوع من انطلاق شهر رمضان.
الصّورة نشرتها الأكاديمية اليمنيّة المُقيمة في سويسرا ” إلهام مانع “، على حسابها الشّخصي في الفيس بوك، وكانت قد قدّمت هي خُطبة ذات الجُمعة. و قد أثارت صورة الإمامة و من اصطفّ وراءها امتعاض الكثيرين باعتبار الإمامة امرأة و سافِرة، و الصّلاة جمعت النّساء {أغلبهنّ سافرات أيضا} بالرّجال. إضافة الى التّفاصيل التي أوردتها إلهام مانع فأجّجت نقد شرائح حتّى من غير المُتديّنين.
  على جانب آخر، هلّلت جحافل من المغرّدين باعتناق ابنة برلماني إيطالي الإسلام و رأت فيه نصرًا مبينًا كما لو أنّ هذه العشرينيّة، قد ضمنت فتح إيطاليا و من بعدهِ أوربا.
    عن نفسي، تشكّكت في البداية في مدى مصداقيّة صورة الإمامة و حسبتها تلاعبا بصورة أُخذت من تمرين في قاعة يوغا، باعتبار غلبة اللّون البرتقالي على السّجّادات. و قلت في نفسي إنّ بعض الأغطية على رؤوس بعض النّسوة هى من فعل الفوتوشوب. لكن ما لبِث ان توضّح الأمر حين دخلت على حساب ” إلهام مانع” و تعرّفت على بعض ملامح شخصيّتها واطّلعت على بعض الحوارات في بعض محطّات أجنبيّة و فخرها بشأن هذه الخطوة، والتي كانت فد أقدمت عليها في 2013 دون ان تلقى تفاعلا مماثلا  كهذه المرّة. و تبيّنت من هذه الخطيبة السويسريّة الجنسيّة، اجتهادها في ما يتعلّق بالشّعائر الدّينيّة، على مدى سنوات مضت لتحقيق هذا الإنجاز مبدئيّا، لتتبعه إنجازات أخرى مستقبلا. مُعوِّلةً على شهيّة التّقليد التي ستنفتح لكل المتردّدين فهي تقول:” فكما كانت صلاة المرأة مع الرجل في المعبد الهندوسي غير مقبولة قبل أكثر من نصف قرن، ثم اصبحا يصليان معاً دون حرج، سيكون الأمر كذلك بالنسبة لنا. المسألة مسألة وقت لا غير. “.
رؤية المذكورة تتلخّص في تناول “حداثي جدّا” لمسألة المساواة بين الجِنسين، ترى صاحبته في مقال عنونته بـ”مسجد شامل، مسجد بدون تمييز”، ضرورة تأسيس ” مسجد يقبل الإنسان كما هو. مسجد للجميع. يحترم الإنسان، وأدميته. يتّسع للرجل والمرأة معاً. يصلّيان معاً. جنباً إلى جنب. يقبل بالمرأة وهي تؤم الصّلاة، تماماً كالرجل، يصلّيان معاً، أمام الرحمن، متساويان في الكرامة والحقوق.” و هي مبادرة مفتوحة لمزيد من الاجتهادات حسب رأي ” مانع”، من ذلك إقحام فقرة قصيرة لعزف موسيقيّ بين الخُطبتين، لم تُحدّد الخطيبة نفسها، المغزى منه.
   عموما وانطلاقا من هذه الخطوة واطّلاعا على بعض كتابات “إلهام مانع” يبدو جليّا أنّه و في غمرة التُنظيرات الموغِلة في الطّرح الحداثي للأديان و خصوصا الإسلام، تأتينا هذه الباحثة التي تنحدر من أب يمنيّ و أمّ مصريّة، بطرحٍ مضمون الدّعم مُسبقا، داعية إيّانا ان نتعامل مع الشّعائر الدينيّة بمعطيات اليوم، إذ تقول: “في النهاية، هو الرحمن من نصلّي له. لا رجل ذكر، يخاف من شعر امرأة”، هكذا تنطلق في تناولها و لكم ان تتوقّعوا، ماذا يمكن ان يترتّب عنه بخصوص بقيّة الشّعائر.
  ولئن يكُن امتعاض الرّأي العام في المجتمع العربي قد غلب على مبادرة مانع، إلّا انّنا نذكّر انّها ليست المرّة الأولى و لن تكون الأخيرة التي يبادر فيها ناشطون من قلب المجتمع المسلم نفسه بآراء و ممارسات تصبّ في نفس السّياق، ربّما اقتناعا تامّا من أصحابه و لكن المُؤكّد، أنّ الدّعم و الرّواج الذي يلقاه أصحابها لدى المجتمعات اللّادينيّة محسوم مُسبقا.
    و على عكس موجة الامتعاض هذه، احتفت أغلب صفحات التّواصل الاجتماعي بخبر اعتناق الشابة العشرينيّة الإيطاليّة “مانويلا” سابقا و “عائشة” لاحقا باعتناقها الإسلام.
 الخبر أحدث ضجّة باعتبارها ابنة السياسي ” فرانكو بارباتو”، البرلماني السّابق من حزب “إيطاليا القيم” عن مدينة نابولي. خبر ذكّرنا باعتناق شقيقة زوجة توني بلير، مثلا، للإسلام منذ سنوات. كان من الممكن أن يمرّ الخبر باهتا في الصّحافة الأجنبيّة إذا لم يرتبط هؤلاء الأشخاص عائليّا بأسماء سياسيّة تُعرّضها للإحراج أمام مجتمعاتها الأمّ.
 الواضح انّ هذه الشّابة اليافعة، كانت قد تعرّفت على شاب هنديّ مسلم، في الجامعة، اعتنقت الإسلام، تزوّجا وأنجبا طفلين وانتقلا للعيش في الهند.
قصّة تحدث بكثرة في المُجتمعات الغربيّة، و في عديد الاتجاهات الدّينيّة، لا حصرًا نحو الإسلام. وأحيانا من التديّن الى الإلحاد، أو العكس. ولا يُؤخذ أبدا على أساس أنّه نصرٌ من عند اللّه بما أنّه يُدرج ضمن سياق التُجارب الرّوحانيّة التي تجتاح الأشخاص ذوي الفكر الحُرّ. وعادةً ما تبلُغ هذه التُجارب ذروتها في أواخر فترة المراهقة خصوصا لو ارتبطت التُجربة بقصّة حبّ مع شخص من نفس الدّين الذي استهوى هذا المُراهق و قرّر اعتناقه.

 ويبدو انّ هذه التُجارب غالبا ما تكون هشّة إلى حدود منتصف الثلاثينات حسب علماء الاجتماع، يعني أن تُدرج هذه التّحوّلات في اهتمامات الشّخص بدين معيّن وولعه به في إطار الإعجاب المُؤقّت لفحوى هذا الدّين في مرحلة ما، إعجاب مُعرّض للدّحض في فترات لاحقة. أمّا مثيلات هذه ” الهجرة الدّينيّة” في سنّ متقدّمة، فعادةً ما تكتسب  عُمقا و حسمًا أكثر 

   اللافت للانتباه سواءً في حالة “الإمامة إلهام” أو المُسلمة الجديدة “مانويلا”، أنّ ردّة الفعل من طرف السّاخطين و المُهلّلين أنّهم يتعاملون مع الحالة الأولى كما لو أنّ مسلمي أوربا بايعوا إلهام، و مع الحالة الثّانية كما لو أنّنا “غزونا نابولي”. في حين أنّ هذه الحالات متواترة في كل الأزمنة و تطال كلّ الأديان، هى فقط تأتي مصبوغة بمُؤثّرات العصر فتصلنا صارخة، ولا تمسّ لا من قريب ولا من بعيد من جوهر الدّين بل فقط تعكس رؤية أصحابها، حتّى و إن نُفخ فيها.
أقول انّه لافتٌ، باعتبار أنّ  ردّة الفعل العاطفيّة السّاذجة لا تليق بمعرفتنا بكُلّ ما يُحاك من أجل تمييع معاني الأديان {الإسلام أساسا} من جهة و بين وَعْيِنا بارتفاع حاجة البشر للتّثقف والاندماج في ثقافات أخرى من باب الفضول أو الإعجاب و ربّما الانصهار.
 فمثلما يهجر مسلمون الإسلام، يعتنقه آخرون كلّ يوم.

________________________

*كاتبة تونسية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة