مقالات

نصر الدين قاسم يكتب: الجزائر.. هرج ومرج على وقع أزمة خانقة!

المعركة تبدو حامية الوطيس بين معسكر الرئيس، ومعسكر يشاع بأن الجنرال محمد مدين رئيس المخابرات المقال هو الذي يقف وراءه ويحركه. معركة وقودها فضائح الفساد

نصرالدين قاسم*
هرج ومرج كبيران يطبعان الساحة السياسية في الجزائر، نزلا بالأداء السياسي في البلاد إلى الدرك السفل من التنابز والتراشق بالتهم والشتم والسباب.. المعركة تبدو حامية الوطيس بين معسكر الرئيس، ومعسكر يشاع بأن الجنرال محمد مدين رئيس المخابرات المقال هو الذي يقف وراءه ويحركه.

معركة وقودها فضائح الفساد والاختلاس التي لم تعد خافية على أحد، وهدفها ترتيبات ما بعد بوتفليقة .. فأعين الجميع شاخصة باتجاه يوم خلافة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة سواء بعد استكماله لعهدته الرابعة عام 2019، أو قبلها.

يحدث ذلك على وقع أزمة اقتصادية خانقة، تكاد تهوي بالبلاد نحو المجهول .. فكل المؤشرات الاقتصادية حسب الخبراء، وتقارير المؤسسات المختصة وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، تدفع إلى الاعتقاد بأن الجزائر مقبلة على مرحلة عصيبة لا يبدو أنها عرفت مثيلا لها.. مرحلة أثارت مخاوف الجميع باستثناء الحكومة التي ورغم اعترافها بحساسية الظروف وثقل الضغوط، فإنها تحرص على تهوين حدة الأزمة، والظهور بمظهر المتفائل، بالحديث عن قدرة الجزائر على مواجهة الأزمة  وتجاوز المرحلة إلى بر الأمان.

الأزمة ومأزق السلطة
ولعل الصراع السياسي المحتدم في الساحة هو الذي يدفع بالسلطة إلى المكابرة والتفاؤل المفرط، حتى لا توسم بالفشل الذريع في مختلف المجالات، ودفع التهم الموجهة إليها بأنها لم تنجح سوى في صنع الفساد الذي جنى على البلاد وحرمها من الاستفادة من نعمة البحبوحة المالية في بناء اقتصاد قوي يملك أدوات ومقدرات مواجهة الأزمة وصناعة النماء الاقتصادي؛ فوقعت في مأزق متعدد الأبعاد.

لقد استنفرت السلطات جهازها التنفيذي، وأحزاب الموالاة، ووسائطها الإعلامية، لتمرير ترتيباتها لضمان انتقال هادئ وآمن للسلطة بعد مرحلة بوتفليقة، نحو خلافة تضمن لمعسكر الرئيس الاستمرارية أو على الأقل الحصانة من أية مساءلة أو متاعب بعد انتقال السلطة.. وكان على رأس هذه الترتيبات تبرئة وزير الطاقة الأسبق وتقديمه كضحية من ضحايا تغول جهاز المخابرات، وإعداده لأداء مهمة ما أو ترشيحه لمنصب هام. بعض الملاحظين يقولون إن شكيب هو خليفة بوتفليقة المحتمل، لكن لعنة الفضائح ظلت تطارد الرجل، فما صدق شكيب أنه تجاوز تلك التهم الموجهة إليه بالضلوع في قضايا فساد في قضايا سوناطراك وسايبام الإيطالية، حتى صدمته أوراق بنما بتورط زوجته في إنشاء شركتين وهميتين.

الجيل الثاني من “التطهير الإعلامي”
وبالموازاة مع ذلك سعت السلطة إلى تنظيم المجال الإعلامي باستهداف المؤسسات التي لا تروج لسياستها بالتهديد والتضييق .. وتتهمها بتجنيد الرأي العام لمعاداتها، ونشر أخبار مغلوطة لبث ما تسميه السلطة الفتنة والتفرقة بين الشعب.. وفي خضم سعيها لتدجين المؤسسات التي شقت عصا الطاعة، بإعادتها إلى بيت الطاعة أو تصفيتها، حدث ما لم يكن في الحسبان بإقدام أصحاب أكبر مجمع إعلامي في الجزائر – تحت ضغط الخوف من قرار السلطة تصفية مجمعهم – إلى بيع أسهمهم إلى ملياردير تعتبره السلطة أحد أعدائها وأحد حلفاء أو أتباع الجنرال توفيق،.. فتقرر – أي السلطة – اللجوء إلى العدالة لإبطال الصفقة وإلغاء البيع بحجة أنها عملية غير قانونية. 

صفقة الخبر ربراب، أخرجت الصراع الخفي إلى العلن.. السلطة توجست خيفة من أن يتغول رجل الأعمال ربراب، وحلفاؤه إعلاميا بعد أن تغول ماليا، فيقف عقبة  كأداء تشوش على ترتيباتها وقد تفشلها نظرا لوزن جريدة الخبر وقناتها، وانتشارهما الكبيرين وقدرتهما على تجنيد الرأي العام.

 لقد شنت السلطة على رجل الأعمال هجوما على كل الجبهات. سياسيا باتهامه تنفيذ أجندة الجنرال المقال استعدادا للرئاسيات المقبلة، والتشهير بكل من يسانده من مختلف الفئات. وإعلاميا بتشويهه وتخوينه واتهامه بالفساد، وتخوين كل من يبدي تعاطفه معه من سياسيين أو إعلاميين وغيرهم … وقانونيا بتسليط القضاء لإبطال صفقة شراء المجمع… وبالموازاة مع ذلك أصدر الوزير الأول أوامره لوزير الاتصال بالشروع في إعادة تنظيم قطاع السمعي البصري بتوقيف القنوات غير المعتمدة (نحو خمس وخمسين قناة)، والسماح للمعتمدة فقط (خمس قنوات) والتي تحترم جدول الشروط بمزاولة نشاطها، وذلك إيذنا لانطلاق الجيل الثاني من “التطهير الاعلامي..”

جنون الموالاة.. و”تهالك” المعارضة..
ربراب المتهم هو الآخر بأنه صنيعة النظام لكن في ظروف أخرى، ولفائدة فئة أخرى، تماما كما يتهم اليوم رجال الأعمال الجدد من حلفاء السلطة بأنهم صنيعة هذه السلطة، لم يسكت ولم يستسلم للهجمة، فقد أعطى للصراع بعدا جهويا عرقيا سبب له الحرج والانتقاد حتى من لدن مقربيه.. ثم حاول الرجل الملياردير أن يستدرك الوضع بالتركيز على البعد الديمقراطي، والحديث عن حرية التعبير وحق المواطن في إعلام حر ونزيه، والدفاع عن الطابع التجاري للصفقة، وانتقاد تجاوزات السلطة ومحاولاتها التضييق عليه بمختلف الأساليب، مستغلا في الوقت ذاته التضامن السياسي والشعبي الكبير الذي حظيت به الخبر لما تتعرض له من تحرش وتضييق وضغط وحصار لدفعها نحو الافلاس.

وإذا كانت أحزاب المولاة قد حسمت أمرها بالانتصار للسلطة في السراء والضراء وحين البأس، إلى درجة الابتذال، فإن موقف المعارضة لا يزال مرتبكا يشوبه الوهن، وإن حاولت أن تركب موجة نصرة الخبر، والاستثمار في النزاع لإدانة السلطة.. موقف زعيمة حزب العمال المعقد والمتناقض يعكس إلى حد كبير التخبط الذي يميز موقف المعارضة.. فالزعيمة التروتسكية تساند الرئيس وتدافع عنه وعلى سياسته، لكنها تنتقد وبشراسة أقرب مقربيه، ورجال ثقته من وزراء وسياسيين، وتُخَوِّن من يسعى جميع رجال الرئيس إلى تبرئته، وتتهجم على أكبر رجال الأعمال من الموالين للرئيس الأوفياء له، وتتهمهم بما تسميه “الأوليغارشية”… لكنها لا تبتعد كثيرا لتعلن تضامنها مع من تتهمهم السلطات بالإساءة للرئيس، ولا تتوانى عن التحالف مع ” الأوليغارشية” الأخرى، مع رجل الأعمال الذي تعتبره السلطة ألد أعدائها، ولا تتحرج بذلك.. وهذا هو حال مكونات الطبقة السياسية المعارضة في عمومها، وإن باختلافات في التفاصيل وتباين طبعا نظرا لخصوصية كل طائفة منها.

ذاب الثلج، وبان المرج.. وزاد الهرج” 
هذا الهرج والمرج شغل الناس جميعا عن أكبر تحد يواجه البلاد، وأكبر خطر يهدد مستقبلها، أي الأزمة الاقتصادية المستفحلة، ومنح السلطة فسحة كبيرة للعبث والتلاعب والتناقض في التصريحات: تارة بالحديث عن صعوبة المرحلة وحساسيتها  وعظمة الخطب،كلما كان الهدف تخويف الناس ودفعهم إلى الانضمام إلى طروحات حكومتها والاستجابة لدعواتها، وتارة بالتفاؤل المفرط كلما تعلق الأمر بتثمين حصيلة الحكم، وتلميع خياراته وحكمه الراشد وقدرته على إيجاد البدائل والحلول لتجاوز الأزمة.. 
وإذا استمر هذا الهرج والمرج، فإن الفشل سيكون حليف الجميع، فلا السلطة يمكنها أن تحقق انتقالا آمنا للحكم بعد بوتفليقة، ولا المعارضة سيكون بمقدورها فرض مخرج ديمقراطي يضمن للشعب الاختيار الحر والنزيه، لأن الأزمة حينها تكون قد استفحلت ونسفت كل شيء وألقت بالبلاد لا قدر الله في مستنقع الفوضى.. فتزايد حدة الأزمة مع تعاظم العجز في إيجاد الحلول سيفاقم هموم المواطن وغليان الجبهة الاجتماعية، ويولد الانفجار لا محالة.. وعلى رأي الفيلسوف التونسي “ذاب الثلج.. وبان المرج.. وزاد الهرج…”! 

________________________________

*كاتب جزائري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة