مقالات

عبير الفقيه تكتب: عن السّلام الدّافئ وما شابهه

ولا تفوتنا الإشارة بالتّأكيد، الى ظهور أصوات إسرائيلية على السّطح مُذكّرة بأطماع السّيسي من خلال هذا الودّ اللّافت للنّظر،

عبير الفقيه*

    لم يكن العرب بحاجة لجرعات إضافية من الخيبات بشأن الصّراع العربي الصّهيوني في شهر آيار/ مايو من كل سنة، باعتبار أنّ ذكرى النّكبة وحدها كافية لإحباط أمّة بأسرها وتذكيرها بفشلها. إلّا انّ الحكومات العربيّة أبت إلّا أن تنعشنا بنسمات من الغزل العلنيّ للحكومة الإسرائيلية فاقت كل خطوات التّطبيع و التقرّب المحتشم سابقا.

ولعلّ أكثر هذه الخطوات جُرأة مساعي عبدالفتّاح السّيسي لطمأنة إسرائيل بجهوده في تأمين ليس فقط “السّلام، بل “السلام الدافئ” تحديدا بين الطّرفين. وقد رافق هذا الخطاب الذي انتكس به العرب، خطوات سياسية وثقافية أخرى أدخلت الغبطة على قلوب الإسرائيليين في احتفالاتهم لعلّ آخرها الحفاوة التي لقاها وفد من الحجّاج الإسرائيليّين بقيادة الحاخام “رافائيل كوهين” الى معبد الغريبة بتونس في 25-26 آذار/ مايو.

   الملفت للنظر في أداء السّيسي يوم خطاب أسيوط هو أنّ تودّده  فاق توقّعات أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية فأغرقهم بنِعمه لدرجة جعلت بعض الإعلاميّين يكتب في صحيفة معاريف أسبوعها أنّه من مصلحة إسرائيل التّخفيف من الجهر بمستوى الرّضى و التّعاون بين الطّرفين مخافة تأليب الشّارع المصري على رئيسه.

المشكلة أنّ خطوات التودّد للجانب الإسرائيلي التي ارتآها السّيسي كانت متسارعة لصالح الحكومة الإسرائيلية بشكل أفشل جلّ مبادرات الاستنكار التي تدفع عادة المعارضين إلى تحرّك ميدانيّ يُلفت نظر السّلطات بنيّة تعديل مواقفها و يُلفت نظر الرّأي العام العالمي أيضا.

ولعلّ الفرحة العارمة التي ظهرت على مساحات الإعلام الإسرائيلي من خلال إعادة بثّ أجزاء من خطاب السّيسي (باعتباره توجّه لهم بصريح العبارة)، وتصريحات مسؤولين كبار تُثني على الرّجل، جعلت سفير إسرائيل السّابق  لدى مصر ” يتسحاق لفانون” مثلا يستأثر بحوارات المحطّات التّلفزيّة والجرائد للتعليق على دور السّيسي؛ إذ قال في صحيفة “يسرائيل هايوم” : “الرئيس المصري يصنع مفاجأته وهذه المرة فاجأ الإسرائيليين”؛ في إشارة إلى أنّ السّيسي يتواصل مع  نتانياهو باستمرار و قد نسّق معه هذا الأخير تفاصيل تطوّرات موضوع  “السّلام”، إلّا أنّ السّيسي خرج عن النّص كرمّا، فأنعش الطّرف الإسرائيلي وطالب بتفعيل “السّلام الدّافئ”. مساعٍ حثيثة في مجملها من الجانب المصري، جعلت الجانب الإسرائيلي يفضّل الطّرح المصريّ على نظيره الفرنسيّ في إطار مبادرة السّلام التي أطلقتها فرنسا و دعمتها الأمم المتّحدة و الاتحاد الأوربي.

    ولا تفوتنا الإشارة بالتّأكيد، إلى ظهور أصوات إسرائيلية على السّطح مُذكّرة بأطماع السّيسي من خلال هذا الودّ اللّافت للنّظر، من ذلك ما قاله المحلّل السياسي الإسرائيليّ “يوني بن مناحيم” مثلا في مواقع إخباريّة مختلفة في ما معناه أنّ الموقف العامّ من أداء السّيسي الذي يصبّ في مصلحة إسرائيل، يشفع له كل ما يسعى إليه من تدارك لترسيخ شرعيّته المُهتزّة دائما وتأمين دعم عسكريّ و اقتصاديّ من الطّرف الأمريكي، باعتباره خير حليف للجانب الإسرائيلي إلى حدّ الآن.

   ورغم انّ هذه الإشارة  تفرض نفسها باعتبار مساومات السّيسي المفضوحة، إلّا أن الشارع الإسرائيلي (على الأقلّ) فضّل الاحتفاء بمكاسب حكومته عبر التّقارب الفعلي مع الحليف الاستراتيجي المُهمّ. وربّما أيضا بسبب إخفاق قراءات المحلّل “يوني بن مناحيم” مؤخّرا، إذ ما انفكّ يتنبأ بحدوث ثورة عارمة في مصر. و رأى انّه ليس من مصلحة إسرائيل أن تغضّ الطّرف عن اقتراح صيغة هادئة على السّيسي لإجراء استفتاء مثلا بشأن بيع الجزيرتين قبل أن يتمّ بثّ الخبر بدون مقدّمات؛ إضافة إلى أنّه اعتبر أنّ سياسات السّيسي التّصعيدية في حق المعارضة و الشعب ستعود بالوبال العاجل على استقراره في الحكم، الشّيء الذّي يمكن أن يُربك الوضع الإسرائيلي بدوره.

 وتجدر الإشارة إلى أنّ المجتمع الإسرائيلي عاش انتعاشه ورضىً ملحوظا (منذ الانقلاب في مصر) عن أداء الشّارع العربي الذي أثّر إلى حدّ ما في سياسات حكوماته التي رشّحتها ثورات الربيع العربي. و لعلّ الشّهر الحالي يعتبر الشّهر الأسعد مقارنة بما مضى. فبعيدا عن التنسيق العالي مع الجانب المصري، احتفلت السّفارة الإسرائيليّة في عمّان بذكرى تأسيس كيانها في منتصف هذا الشّهر رافعة أعلامها بكل فخرٍ، في استفزاز صريح للأردنيّين و العرب عموما. وربّما أكّدت هذه الخطوة الصّارخة ما ذكره موقع “يديعوت أحرونوت” عن أن وزيرة الثقافة والرياضة الإسرائيلية، المتطرفة ميري ريغيف، طلبت من طاقم مكتبها، اقتراح قانون يفرض على المؤسسات العربية التي تتلقى تمويلًا من إسرائيل رفع علمها خلال ذكرى النكبة.

     وكما كان ردّ فعل المصريّين باهتا على استخفاف السّيسي بهم و الإصرار على المُضيّ قُدُما في التّطبيع مع إسرائيل على حساب السّيادة الوطنيّة و مصالح البلد، كذلك كان الأمر في الأردن و كل البلدان العربيّة، استنكار ترفعه أصوات متفرّقة لا تجلب أي دعمٍ.

   وحتّى في الشأن الاجتماعي الإسرائيلي في علاقته بالعرب، سجّل تقييم موسم حجّ يهود العالم، بما فيهم يهود إسرائيليّون إلى معبد الغريبة في جزيرة جربة التّونسيّة هذا الشّهر استحسانا واضحا. فبعد التحذير شديد اللّهجة الذي أصدره بنيامين نتنياهو سنة 2014 على إثر العمليات الإرهابية التي استهدفت سيّاحا أجانب في تونس، غاب يهود إسرائيل عن الموسم. و للتّذكير فإنّ الحجّ إلى الغرّيبة يتمّ تزامنا مع عيد “لاج باعومر”  كل سنة بعد 33 يوما من عيد الفصح. و يُعدّ كنيس “الغريبة” أقدم معبد لليهود في أفريقيا، وتحوّل إلى مزار لليهود من كافة أنحاء العالم للتّبرّك بالتّوراة الموجودة فيه والتي تُعتبر أيضا، الأقدم في العالم. وقد زاره هذا الموسم وفدٌ من 50 إسرائيليّا و على رأسهم الحاخام ” رافائيل كوهين” ضمن 3000 يهودي آخرون من باقي أنحاء العالم و قاموا بمناسك الحجّ كاملة تحت حماية مشدّدة من وزارة الدّاخلية التونسيّة و باستقبال من وزراء و شخصيّات سياسيّة، حفاوة وحرصا على إتقان سلوك التّعايش و التسامح بين الأديان و التّثاقف و صفها بعض النّاقدون انها معيار رضى القوى الخفيّة المتحكّمة في المشهد السياسي الحاكم في البلدان العربيّة، وقال آخرون إنه، فيما يقوم اليهود بمناسك الحجّ حسب ما يُمليه دينهم، يقوم سياسيّونا بالحج السياسي تبرّكا و انصياعا لما يُمليه المسؤول الكبير الحاكم من وراء حجاب.

    طقوس يمارسها اليهود على أرض بلد مسلم، بدون أيّ مضايقات، بل بكلّ ترحاب، و بتوصيات دوليّة تحت مسمّيات مُنمّقة. في حين تقف إسرائيل في وجه المقدسيّين أنفسهم للصّلاة في القدس. ولا تلقى أيّ استنكار من طرف الحكومات العربيّة، بل كلّ الرّفق و التّنسيق الدّافئ.

________________________

*كاتبة تونسية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة