مقالات

عبد الرزاق قيراط يكتب: لزوميّات تطوير التعليم

ما زلنا نحن العرب، في موقع متخلّف بالمقارنة مع بلدان تقدّمت علينا في مجال صناعة التعليم والارتقاء بمعايير جودته.. ولعلّ جولةً سريعةً في المواقع التعليميّة المتخصّصة بشبكة الإنترنت ستثبت ذلك التفاوت الرهيب. يتبع

عبد الرزاق قيراط* 

ما زلنا نحن العرب، في موقع متخلّف بالمقارنة مع بلدان تقدّمت علينا في مجال صناعة التعليم والارتقاء بمعايير جودته.. ولعلّ جولةً سريعةً في المواقع التعليميّة المتخصّصة بشبكة الإنترنت، ستثبت ذلك التفاوت الرهيب بيننا وبينهم على مستوى الشكل والمضمون.

فباستثناء ما ينشره موقع الجزيرة نت في مجال تعليم اللغة العربيّة للناطقين بها وبغيرها، وموقع “تعلّم” التابع لها، لا تتوفّر أعمال معتبرة يمكن الالتفات إليها والاستفادة منها.

وينطبق نفس الحكم على ميدان التطبيقات التعليميّة ذات المحتوى العربيّ، فلن يجدي البحث في المتاجر الافتراضيّة التي توفّر ذلك المنتوج التفاعليّ إذا رغبت في العثور على تطبيقات موجّهة للناطقين بلغة الضاد.
ستعاين، في أفضل الأحوال، محاولات بسيطة لتحفيظ حروف الهجاء، بعضها يتعارض مع ملكة الذكاء بسبب بدائيّة الأفكار ووسائل الإيضاح التي تدلّ على محدوديّة مَنْ صمّم تلك التطبيقات لغويّا وثقافيّا وتكنولوجيّا.

دور التلفزيون
وعلى العموم، تحيلك عمليّة البحث المتقدّم في هذا المجال إلى  فراغ هائل وفقر مدقع على مستوى الكمّ والكيف بالمقارنة مع ما يبدعه الآخرون لتعليم لغاتهم ومعارفهم بوسائل العصر التي تساعد الأطفال على الاستيعاب وممارسة الأنشطة اللغويّة كالفهم والقراءة والكتابة وغيرها.. والنتيجة هي نفسها تقريبا.

في ما يخصّ المحتوى التعليميّ الذي تؤمّنه القنوات التلفزيونيّة الموجّهة إلى الأطفال الصغار ومدى مساهمتها في تعليم الناشئة وتربيتها وفق منهج يتصالح مع قيمنا الحضاريّة التي تتعرّض للتشويه والإقصاء بسبب هيمنة الثقافة الغربيّة بعد عولمتها وتعليبها في أفلام ومسلسلات ومنوّعات، وقد غزت بيوتنا مترجمةً ومدبلجةً بالفصحى والعاميّة، لتستفزّ ثوابتنا الراسخة بألسنتنا وفي عقر ديارنا.

واللافت أنّ تأثيرها يتعاظم من سنة إلى أخرى بسبب  كثرة القنوات التجاريّة التي تبثّ تلك الأعمال على مدار الساعة، وفي ظلّ غياب المنافسة المتكافئة مع قنواتٍ نجحت بالرغم من قلّتها في ملءِ بعض الفراغ بأعمالٍ توفّرت فيها شروط الجاذبيّة والتجديد والتسلية والإفادة بعيدا عن الطرق البالية التي تعتمد التلقين التقليديّ والوعظ المباشر. والإشادة هنا لا تشمل إلاّ قناتين رائدتين في تقديم “أفضل تجربة إلى الأطفال في كلّ بيتٍ عربيٍّ من خلال محتوى برامجيّ تربويّ ترفيهيّ متميّز يحفّز الأطفال العرب على التفكير الإبداعيّ مع المحافظة على ثقافتنا وتراثنا العربيّيْن”، حسب النصّ التوضيحي الذي يتصدّر الصفحة الأولى من موقع “تعلّم”،  وهو مرتبط بما تقدّمه قناتا “براعم” و”جيم” من برامج مميّزة لا وجود لمثلها في قنوات الأطفال الأخرى حيث تغيب الرؤية التعليميّة والتربويّة تماما. ولكنّ المؤسفَ أنّ القناتيْن انضمّتا مؤخّرا إلى باقة مشفّرة، ما سيساهم في حرمان ملايين الأطفال العرب من مشاهدتهما.

قُصور الكتاب المدرسيّ

إنّنا بأمسّ الحاجة إلى تطوير المناهج التعليميّة، وتغيير الأفكار البالية التي نخطّط بها المقرّرات ونؤلّف على ضوئها الكتب المدرسيّة.. فإذا تناولنا الكتاب المدرسيّ المخصّص لتعليم اللغة العربيّة على سبيل المثال، سنكتشف أنّه انعكاس لما يعتقده مدرّسوها والمشرفون عليهم من المفتشين والقائمين على الشأن التربويّ في جلّ أقطارنا من المحيط إلى الخليج، حيث يتصوّرون أنّ تعليم لغة الضاد يرتكز بالدرجة الأولى على حفظ قواعد النحو والصرف والبلاغة وقراءة نصوص بعينها لكتّاب وشعراء استُهلكت أسماؤهم بكثافة ولم يعد لبعضها محل من الإعراب في عصرنا الحديث.

فالواقع الجديد وما يشهده من تطوّر على جميع المستويات يملي علينا ضرورة مواكبته والاستفادة من الوسائل المعرفيّة التي يزخر بها، وإضافة أسماء جديدة لمبدعين في شتّى الفنون. فلم يعد مقبولاً اليوم أن يعرف طلاّبنا شعراء الجاهليّة والقرون الأولى، ويجهلون أسماء كتّاب معاصرين لا حصر لهم، ومبدعين آخرين في شتّى المجالات التي يمكن أن تساهم في تقديم محتوى تعليميّ حديث، يرضي انتظارات الناشئة التي تعيش في عصر الصورة والفيديو. وقد أثبتت دراسات كثيرة “أنّ الطالب يتفاعل بأكثر سرعة وسهولة مع الموادّ السمعيّة البصريّة، وأنّه يسجّل في ذاكرته ما يتلقاه بالصورة والصوت بشكل أفضل ممّا يتلقاه شفويًا وإن كان ممنهجًا”.

الوسائط المتعدّدة
إنّ طلاّبنا بحاجة إلى معرفة شاملة تصل بين الأمس واليوم، لتكوين إنسان عربيّ جديد يفخر بتراثه وينهض بحاضره من أجل مستقبل أفضل. وبلوغ هذا الهدف يحتاج إلى شجاعة كبيرة ورؤية جديدة لدور المدرسة والمدرّس في مجتمعاتنا العربية حتى ندرك ما وصلت إليه العملية التربوية في العالم من تطوّر في الشكل والمضمون، وعلى مستوى النتائج والمخرجات  من خلال العقول المبدعة التي تفرزها المدارس والجامعات فينتفع بها الناسُ في شتّى المجالات.

لقد مُنح المدرّس في البلدان المتنوّرة حريّة المبادرة في اختيار ما يشاء من وسائل التعليم والإيضاح. فله أن ينطلق من صورة أو رسم أو مقطع من فيلم سينمائي أو أغنية أو مقتطف من خطاب سياسيّ أو خبر مسموع أو حتّى إعلان تلفزيوني. فكلّها منطلقات للتعلّم، يتعذّر تضمينها في الكتب المدرسيّة العاجزة بطبيعتها الورقيّة على استيعاب الوسائط المتعدّدة. ولذلك أصبح الاعتماد على الكتاب المدرسيّ في تعليم اللغات وغيرها من العلوم والمهارات ثانوياً.

وللمدرّس الأمريكي أو الأوربي حريّة مطلقة في استعماله أو الاعتماد على وثائق أخرى تزخر بها شبكة الإنترنت التي تضجّ  اليوم بآلاف المواقع المتخصّصة في صناعة التعليم، بالإضافة إلى غرف الدردشة الموجّهة للمعلّمين ليتواصلوا في ما بينهم ويتبادلوا التجارب والدروس التي أنجزوها في فصولهم.. ولن نبلغ نحن العرب ذلك المستوى من رصيد الثقة والحريّة إلاّ بإصلاح يشمل جميع السياسات التي تقف حاجزاً منيعاً أمام نهضة شاملة يكون التعليم الجيّد مفتاحاً لها.

________________________

*كاتب تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة