عبد القادر عبد اللي:من أتاتورك وبورقيبة إلى أردوغان والغنوشي

عبد القادر عبد اللي*

أثار تصريح رئيس حزب النهضة التونسي “الشيخ” راشد الغنوشي بأن حزبه جاهز لفصل الدعوي عن السياسي موجةً من الأخذ والرد، ثم كان الغنوشي أكثر وضوحاً بتصريحه للسي إن إن باستخدامه عبارة أكثر جرأة وهي: “فصل الدين عن السياسة”. وإذا كان لم يجرؤ بعد على استخدام كلمة “العلمانية” فما العلمانية بمعناها العام سوى فصل السياسي عن الديني؟

في الحقيقة أن من يتابع التجربتين التركية والتونسية لابد له من الوصول إلى هذه النتيجة، بل والأكثر منها.

لقد انتهج الحبيب بورقيبة نهج مؤسس الدولة التركية مصطفى كمال أتاتورك، ولم يُخْفِ بورقيبة إعجابه بتجربة أتاتورك، واستنسخ كثيراً من القوانين التي سنت في تركيا من أجل تطبيقها في تونس، وقد ذهب بورقيبة أحياناً بعيداً بفرض كثير من الممارسات التي تمس إيمان الناس وعقيدتهم على الطريقة التي طبقها حزب أتاتورك -حزب الشعب الجمهوري- فيما بعد، ولكنه في المحصلة بنى قاعدة سياسية تمكنت من المحافظة على ذاتها حتى في زمن بن علي، ومرحلة التعددية السياسية التي جاءت بعد الثورة التونسية.

وأخيراً جاء حزب النهضة ليقترب خطوة من فصل الدعوي عن السياسي أو فصل الديني عن السياسي، تبدو خجولة بالمقارنة مع ما وصل إليه حزب العدالة والتنمية التركي، ولكنها على ما يبدو أن لها لواحق.

عندما تأسس حزب العدالة والتنمية التركي في عام 2001 تبنت الولايات المتحدة الأمريكية دعم هذا الحزب على أنه نموذج لإمكانية تواؤم الإسلام والديمقراطية، وطرحه كبديل عن الإسلام القاعدي المتطرف، واعتبرته أفضل وصفة سياسية لمكافحة الإرهاب، والنموذج هو من أجل أن تحذو حذوه أحزاب الإسلام السياسي في الدول الإسلامية عموماً، والعربية خصوصاً.

نجح حزب العدالة والتنمية بتقديم نموذج سياسي مقبول في الداخل التركي، فمؤشرات النتائج الانتخابية تعطيه دائماً الطليعة، وبفارق كبير بينه وبين الحزب الذي يأتي في الدرجة الثانية حتى في انتخابات يونيو/ حزيران الماضية التي اعتُبِر أنه خسرها. وبالتوازي مع هذا الوضع، فقد حظي العدالة والتنمية التركي بقبول دولي واسع حتى عام 2011، ثم بدأ يتراجع هذا القبول الدولي لأسباب كثيرة يضيق المجال لبحثها هنا حتى وإن كان باختصار.

اعتبرت المعارضة التركية الرئيسة المتمثلة بحزب الشعب الجمهوري أن لحزب العدالة والتنمية برنامجاً سرياً يسعى لتطبيقه، وهو تحويل الدولة التركية “العلمانية” إلى دولة إسلامية “ديكتاتورية”، وتلقفت تيارات الإسلام السياسي والأنظمة العسكرية الديكتاتورية التي تدّعي العلمانية في الوطن العربي هذه التصريحات التي قدمتها المعارضة التركية، واعتبرتها أمراً واقعاً.

صحيح أن الإسلام السياسي العربي يباهي بتجربة العدالة والتنمية انطلاقاً من المثل الشعبي العربي الذي يقول: “القرعة تتباهى بشعر خالتها”، ولكنه في الوقت نفسه يعتبر نفسه هذا التيار متقدماً على العدالة والتنمية بحيث يستطيع أن يعلن “الحل هو الإسلام” انطلاقاً من فرضية أن العدالة والتنمية لا يجرؤ في الوضع الحالي إعلان شعار كهذا.

في الوقت نفسه تبنت الديكتاتوريات العسكرية العربية هذه المقولة لتهاجم العدالة والتنمية باعتباره جزءًا من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين.

عند إجراء أي مقارنة بين العدالة والتنمية وأحزاب التيار الإسلامي العربية، سنجد أن المتشابهات بين الطرفين شبه نادرة، وحتى معدومة تقريباً، وهذا الأمر ينسحب على الممارسة والقوانين والتطبيق. وإذا كان رئيس البرلمان التركي مصطفى قهرمان قد دعا لإزالة كلمة العلمانية من الدستور، فقد قُوِّل ما لم يقله، وانتشر ما لم يقله على نطاق غير مسبوق.

لعل أهم نقطة في الخلاف بين العدالة والتنمية وأحزاب الإسلام السياسي العربية عموماً هي “الشعارات” فقد هاجم حزب العدالة والتنمية الشعاراتية في السياسة، وحتى إن رجب طيب أردوغان هاجم “نشيد الذكرى العاشرة” لتأسيس الجمهورية الذي يحظى بشبه قداسة لدى العلمانيين الأتراك، من باب: “الشعارات لا تشبع البطون”.

يبدو أن حزب النهضة قد أدرك بأن العمل السياسي يتناقض مع العمل الدعوي أو الديني في بلد مثل تونس يشترك مع تركيا بمشتركات كثيرة جداً، ولعل رمز البلدين -رايتيهما- مؤشراً واضحاً على هذه المشتركات، فليس هناك أكبر من التشابه بين الرايتين التونسية والتركية.

هناك فرق مهم أيضاً بين ردة الفعل على خطوة النهضة، وردة الفعل على خطوة تأسيس العدالة والتنمية التركي عندما خرج من عباءة الرفاه (أو السعادة) الأكثر قرباً من تيار الإسلام السياسي، واقترب من التيار المحافظ الذي يُسمى في الاصطلاحات السياسية “يمين الوسط”.

لقد ذهب كثيرٌ من “المفكرين” الإسلاميين إلى “رفض” خطوة النهضة بشدة، واعتبارها خروجاً على النهج العام للإخوان المسلمين. وفي الوقت نفسه، فإن “المفكرين” الإسلاميين هؤلاء أنفسهم يعتبرون العدالة والتنمية من أنجح التجارب السياسية والاقتصادية التي قدمها “الإسلام السياسي”. أردوغان هو شخصية استثنائية بالنسبة إليهم، ولكن أي شخصية تحاول أن تستفيد من تجربة أردوغان سرعان ما تُنبذ، أليست هذه مشكلة؟

أين الخلاف إذن؟ إنه في غير المرئي والمتوقع. فكل الرؤى تُبنى على وجود برنامج سري لا أحد يعلم به سوى الله ينتهجه أردوغان، وهذا النهج هو نهج الإخوان المسلمين… وكأن الإخوان المسلمين في بلد واحد هم على رأي واحد، ونهج واحد.
لقد خطى الغنوشي خطوة باتجاه التجربة التركية باعتبار أن هناك تشابهاً في التجربتين، ولعل الأمر سيرتبط بنجاح تجربة الغنوشي، فإن نجحت فعلاً، سيكون لها ما بعدها الكثير، وتتجاوز الحدود التونسية.

________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة