د. عبد التواب بركات يكتب: مدرسة باسم عودة في وزارة التموين

مطالبة جبهة الإنقاذ بقيادة الدكتور محمد البرادعي بإقالة الدكتور باسم عودة رغم النجاحات المتعددة في وزارة التموين يؤكد أن حملة الهجوم علي الرئيس محمد مرسي لم تكن خوفا من فشله ولكن خوفا من نجاحه. يتبع

د. عبد التواب بركات

ليس فقط تعاطفا مع الدكتور باسم عودة بعد متاجرة النظام بمشهد إنساني حاول التجمل به وسمح له بحمل طفلته وإظهاره وهو يحتضن أبنائه، بل أيضا من أجل كشف بعض جوانب النجاح التي حققها هذا الوزير المبتلي بنجاحه والتفوق الذي أظهره علي كل من سبقه أو لحق به في وزارة التموين، وقد عملتُ معه مستشارا في هذه الوزارة بعد أسبوعين من توليه الوزارة حتي آخر لحظة له في الوزارة قبل ساعتين من الانقلاب العسكري مساء يوم الأربعاء الثالث من يوليو/تموز 2013. حاول النظام تبييض وجهه الأسود بهذه التصرفات، لكنه أوجد فرصة، من حيث لا يدري، لتذكير المصريين ببعض إنجازات وزيرهم الناجح الدكتور باسم عودة. 

دخل الدكتور باسم عودة وزارة التموين وهي ترتدي ثوب العشوائية والفساد لعشرات السنين فكانت سببا رئيسا وشرارة ثورة يناير المطالبة بالعيش والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمهدرة جميعا في دواليب هذه الوزارة. دخل “عودة” الوزارة بعد تولي الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية بستة أشهر حافلة بتآمر وتعويق الدولة العميقة المتغلغلة والمتحكمة في وزارة التموين من خلال تفجير أزمات البنزين وإسطوانة البوتاجاز ورغيف الخبز في وجه الرئيس لإفشال مشروع المئة يوم، وكلها ملفات من اختصاص وزير التموين.

دخل باسم عودة الوزارة في هذا الجو الرهيب مكلف بأربعة ملفات حساسة هي الخبز والسلع التموينية والبنزين والمنتجات البترولية وتنشيط التجارة الداخلية، فتعرض للاغتيال وحرق الوزارة، ورغم ذلك يفجر المفاجأة ويكون مدرسة علمية لإدارة ملفات وزارة التموين وينجح فيها جميعا وبشهادة كل المصريين المؤيدين والمعارضين علي السواء.

بدأ باسم عودة بتطبيق منظومه الخبز ليحصل المواطن علي رغيف الخبز بكرامة تليق به بعد ثورة يناير، فقضي علي ظاهرة طوابير الخبز القاتلة، ووفر 3.4 مليون طن من الدقيق المتسرب للسوق السوداء و11 مليار جنيه كانت تهدر فى تسريب القمح من المطاحن والدقيق من المخابز للسوق السوداء، ومن غير أن يلزم المواطن حدا أقصى لعدد أرغفه الخبر وبدون أن يعمد لتخفيض وزن الرغيف كما فعل النظام بعد الانقلاب العسكرى والذى خفض وزن الرغيف بنسبة 25%، من 120 غراما إلى 90 غراما، ووضع حد أقصى خمسة أرغفه للفرد.

دعم الفلاح
وحتي يحقق الاكتفاء الذاتي من القمح المستخدم في إنتاج الخبز في أربع سنوات، رفع سعر التوريد لصالح المزارعين المصريين إلى 400 جنيه للأردب لأول مره فى تاريخ القمح المصرى، ليتوجه الدعم للفلاح المصري نفسه وليس للمزارع الأمريكي أو الأوكراني كما كان يحدث علي مدي نصف قرن.

وبقرار ذكي سدد الوزير عودة ضربة قاتلة للدولة العميقة، فمنع استيراد القمح الأجنبى من أول فبراير/شباط 2013، قبل موسم حصاد القمح المحلي بشهرين كاملين حتي نهاية موسم الحصاد، ما حقق هدفين في آن واحد، الأول: أعطي الفرصة لتفريغ الصوامع المعدنية الحديثة، التي خصصها نظام المخلوع حسني مبارك لتخزين القمح الأجنبي فقط رغم سوء جودته، واستخدمها في تخزين القمح المحلي لتكون أول وآخر مرة يخزن القمح المصري في هذه الصوامع الحديثة بعد أن كان يخزن في الشون الترابية ويترك عرضة للحشرات والمطر والشمس غارقا في مياه الصرف الصحي.

أما الهدف الثاني: فقد منع خلط القمح المحلى عالي الجودة بالمستورد الرخيص الفاسد، وهي عملية قذرة معروفة من العهد البائد بـ “تدوير القمح” والتربح من فوارق الأسعار علي النحو الذي حدث الموسم الماضي، إذ استلمت وزارة التموين اثنين مليون طن من القمح الأجنبي علي أنه قمح محلي بعلم الوزير وكذلك رأس النظام الفاسد، ما كبد الدولة اثنين مليار جنيه فروق أسعار بين القمح المحلي والأجنبي.

وتحقيقا للعدالة الإجتماعية وإنصاف المزارعين الفقراء عمد باسم عودة لتطبيق منظومه القمح التى سمحت باستلام 3.7 مليون طن من المزارعين المصريين علي أن يتم تسليمهم ثمن القمح في أقل من 24 ساعة وبدعم من الدكتور مرسي إكراما للمزارع المصري، وبدون زحام أمام الشون أو تأخير فى استلام ثمن القمح في حين يقف أصحاب القمح أمام شون القمح ثلاثة أيام كاملة ولا يتقاضون ثمنه إلا بعد عدة أسابيع إن نجحوا في بيعه للحكومة مباشرة ولم يبيعوه للتجار بثمن بخس!!

وحتي الكرامة الإنسانية التي طالب بها المصريون في ثورة يناير، منع إضافه دقيق الذرة إلي رغيف الخبز، ما حسن جوده الخبز علي نحو جعل أساتذة الجامعات يعودون لشراء الخبز التمويني بجودة تليق بالكرامة الإنسانية، كما حافظ بهذا القرار علي صحة المصريين من الإصابة بالسموم الفطريه الموجوده فى دقيق الذرة لعشرات السنين والتى تسبب سرطان الكبد.

توفير زيت “عباد الشمس”
كما منع خلط زيت التموين بزيت الصويا الردئ وأوقف استيراد “كواسح” الزيت وأصر على توفير زيت “عباد الشمس” النقى بدون خلط وبسعر 3 جنيهات للمواطن ولا تزيد تكلفته على الدولة عن 9 جنيهات بدلا من 12 جنيه للتر، وهو الإنجاز الذي أشار إليه للقاضي في المحاكمة التي ظهرت في وسائل الإعلام.

وفي ملف السلع التموينية، تشدد “عودة” فى مواصفات الأرز التموينى ورفض استلام الأنواع المكسرة أو استيراد الأرز الفلبيني الردئ وهو ما يعمد إليه النظام الحالي دون مراعاة لذوقيات المواطن المصري الذي تعود تناول أرز بلاده الجيد. كما أوقف تسليم السكر بوزن 800 غرام وأصر على أن يكون وزن العبوة 1000 غرام كاملة دون غش المواطن، ودشن مبادره أفضل منتج لأكرم شعب.

توفير إسطوانة البوتاجاز
وفي ملف إسطوانة البوتاجاز بذل “باسم عودة” وبدعم من الدكتور مرسي بطبيعة الحال، جهدا خارقا في بناء مخزون إستراتيجي من هذه السلعة الحيوية يكفي البلاد طول فصل الشتاء وتوفير الإسطوانة للأسرة المصرية، خاصة في محافظات الصعيد المحرومة، بوزن 12.5 كيلو غرام غاز وبالسعر الرسمي، وأوقف التلاعب بوزن الإسطوانة التى كانت تصل إلى نصف وزنها لتنفد الإسطوانة بعد أسبوع واحد من الشراء.

ووفر للمصريين سبعة مليارات جنيه كانت تهدر فى السوق السوداء للبوتوجاز. ولأول مرة يمر شتاء علي المصريين بدون طوابير بوتاجاز وقتلي فيه. وكدليل علي هذا الإنجاز غير المسبوق ارتفعت أسعار الإسطوانة في أول شتاء تلي الانقلاب إلي عشرة أضعاف سعرها في عهد باسم عودة واختفت تماما من محافظات الصعيد لأسابيع عديدة.

محاربة مافيا البنزين
وفي ملف البنزين والمنتجات البترولية، قضي الوزير الشاب الليالي الطويلة في القاهرة والمحافظات المحيطة، يحارب أصحاب محطات الوقود الفاسدين، والمهربين والمخربين بإلقاء السولار والبنزين المدعوم في الصحاري والمصارف، ونجح في القضاء علي هذه المافيا حتي الشهر الذي سبق الانقلاب العسكري الذي شهد تكاتف الدولة العميقة مع المخابرات في تفاقم أزمة البنزين لتسهيل الانقلاب علي الدكتور محمد مرسي.

قبل شهر رمضان الذي هل هلاله بعد الانقلاب العسكري بأيام أعلن باسم عودة عن مبادرة لتوزيع السلع التموينيه فى الشهر الكريم بنصف ثمنها وتقديم المكرونه والفول كسلع إضافيه على البطاقه التموينيه مجانا بدون مقابل وبتشجيع من الدكتور مرسي، وهي المبادرة التي لم تر النور بسبب الانقلاب العسكري.
لقد كانت مطالبة جبهة الإنقاذ بقيادة الدكتور محمد البرادعي “الدستوري” بإقالة الدكتور باسم عودة رغم النجاحات المتعددة في وزارة التموين يؤكد أن حملة الهجوم علي الرئيس محمد مرسي  لم تكن خوفا من فشله ولكن خوفا من نجاحه، بتعبير المفكر القبطي رفيق حبيب. قدم الدكتور باسم عودة درسا في الأخلاق ورفض المشاركه فى حكومه حازم الببلاوى بعد الانقلاب العسكرى على الرئيس الشرعى الدكتور محمد مرسي، ليظل الدكتور باسم عودة صاحب مدرسة وحجة على وزراء التموين السابقين واللاحقين الذين عجزوا عن توفير العيش والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لهذا الشعب الكريم رغم قصر المدة التي قضاها وزيرا للتموين والتي لم تزد عن ستة شهور فقط.
___________________________

*أكاديمي مصري 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة