عبير الفقيه تكتب: المرأة التونسيّة والمساواة في الميراث

انّ مضامين المطالب تتميّز بصفتين، أوّلاهما الجرأة المعهودة التي تبلغ الاستفزاز. وثانيتهما اتّساع الهوّة بين طموحات امرأة المدينة وامرأة الريف.. يتبع.

عبير الفقيه*
  عاشت تونس مؤخّرا على إيقاع جدلٍ بخصوص مبادرة لجمع توقيعات بغرض تمرير مشروع قانون على التصويت في البرلمان التونسيّ يكفل المساواة في الميراث بين الأنثى والذّكر.
مبادرة تبنّاها النّائب المستقلّ مهدي بن غربيّة و سبقته فيها أشواطاً جهود الرّئيس الرّاحل الحبيب بورقيبة منذ السّبعينيات غير أنّ رجال الدّين و الفكر عارضوها آنذاك بشدّة. ثمّ أيقظتها حملات “جمعيّة النّساء الدّيمقراطيّات” في عهد بن علي كحلقة من حلقات النّضال النّسوي الذي اخترن له  شعار “لا للمساومة بحقوق المرأة التونسية”
وقد سجّلت خطوة طرحه للتّصويت في البرلمان مؤخراً مروراً سريعاً من مجال النقاش في الساحة الاعلامية الى مجال الاستفزاز الصّريح للمجتمع وللكتل الحِزبية المحافظة، وأساسا حزب النّهضة، صاحب أكبر تمثيل برلماني.
البهارات
     في الحقيقة، لم يكُن لينال هذا الموضوع حيّزا كبيراً من النّقاش كموضوع منفردٍ،  لولا توفير بهارات تصاحب هذا الاجتهاد لترسيخ معالم ” الإسلام التونسيّ ” الجميل لدى “فئة صغيرة” من الرّأي العام واستدراجه أو فرضه على ” الفئة الكبيرة” من المجتمع .
ولا يخفى على أحد أنّ الحملات الصّاخبة للتشكيك في الأحكام الصّريحة في مسألة  الحجاب والخمر و الزنا واللّواط هي مواضيع تكاد توصف بـ” المُعلّبة” باعتبار ظروف استحضارها بكلّ حماس كلّما فرضت المواضيع الجدّية نفسها على السّاحة السياسية و شارف النّاشطون على النّزول بها الى السّاحات و الميادين. فتهبّ قنوات الصّف الأوّل والتي نغّصت عليها الثّورة نشوة “التّجربة التونسيّة النّاجحة” كما أراد لها الرّئيس المخلوع أن تكون،  فتراهم “فُرادى و جماعات” يُغرِقون المشهد بمواضيع مازالت تُربك الى الآن وحدة المجتمعات الغربية السّبّاقة الى التّحرّر. ويأتي موضوع المرأة على رأس هذه المواضيع بالطّبع، مصحوبا بكلّ ما يطرحه من تفاصيل في باب الحرّيات.
“إسلام كول”
  ونحن نقف على بعضٍ ممّا أرادت تمريره هذه الزّوبعة الإعلاميّة، يمكننا التوصّل الى ان الجدل يسعى الى إقناعنا على مراحل بفهمٍ جديد للدّين، “إسلام كول” لا يُزعج المُسلم التونسيّ في شيء، فيحلّل الخمر واللّواط والزّنا ويساوي بين الذّكر والأنثى في كل شيء. ولا بأس ان يتعارض الفهم الجديد مع النّصوص الصّريحة الواردة في هذه القضايا، فباب الاجتهاد مفتوح حسب مقاييس الألفية الثالثة لفهم الدّين في تونس. ولا ضرر أيضا من إعادة برمجة ثقافة مجتمع يقرّ الفصل الأول من دستور بلده على أنّ “تونس دولة حرّة مستقلة ذات سيادة، الاسلام دينها و العربية لغتها والجمهورية نظامها”. 
 ويجدر الذّكر هنا أنّ المسألة عموما ارتبطت لدى المسلمين بالآية الكريمة  الواردة في سورة النّساء “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظّ الأنثيين”. على أساس أن يرث الذكر ضعف ما ترٍثه أخته شرْعا. ولكن أغلب علماء الدين يعيبون على هذا الفهم ويلومون الكائدين بالوقوف عند “ويل للمُصلّين” فالمرأة حسب تفاسيرهم للآية الكريمة و ما تبعها من أحاديث نبويّة تحصل على نصف ما يحصل عليه الرّجل في أربع حالات فقط، و في ثلاثين أخرى تتساوى معه، وفي أربع أخرى تتجاوزه.
الملفت للنّظر في نسق مطالب حقوق المرأة في تونس بعد الثورة بالخصوص أنّ مضامين المطالب تتميّز بصفتين، أوّلاهما الجرأة المعهودة التي تبلغ الاستفزاز. وثانيتهما اتّساع الهوّة بين طموحات امرأة المدينة وامرأة الريف والمناطق الدّاخلية. فبينما مازالت الثانية  تلهث وراء تحصيل خمسة دولارات جزاء يوم كامل من العمل المُضني في القطاع الفلاحي في مناطق الشمال و الوسط الغربي مثلا لتُعيل عائلات بأسرها. نجد الأولى تتظاهر وتؤثّث حلقات النّقاش في التّلفزات لإقناعنا بضرورة تمرير قانون المساواة في الميراث أو المطالبة بتخصيص دخل قارّ للأمّهات العازبات {بما إن حق التبنّي مكفول قانونيّا للأم العزباء منذ سنين} أو حتّى لتُشيد بالنّجاح في المصادقة على قانون السّماح للأم بمرافقة الأبناء لها في السفر خارج أرض الوطن من دون الحاجة لترخيص الأب.
 وعلى افتراض انّ المرأة التونسيّة بكل أطيافها معنيّة بتحقيق اكثر قدر ممكن من الحقوق وتسعى إلى تعزيز المادة التّشريعية المتقدّمة والتي تفاخر بها بين الأمم، تبقى مسألة الأعراف الاجتماعيّة وسطوتها أقوى من حيث التّفعيل وأقوى من كل التّشريعات في المناطق الدّاخلية و في الجنوب خصوصا. لذلك يلاحظ أي متابع لمسألة حرية المرأة في تونس، انّ المجتمع غير متجانس بالمرّة وأنّه لا يمكن نكران مستوى التحرّر العالي ونقيضه حسب المناطق.
هيمنة المرأة
 ولنُلْق نظرة على سبيل المثال على المكسب التّشريعي الأهمّ الذي نالته المرأة في تونس منذ 13 من أغسطس/آب 1956 ألا وهي ” مجلّة الأحوال الشّخصية”. فقد ضمنت لها جملة من القوانين المدنيّة و الأسرية والاجتماعية سجّلت فيها سبقا حتى مقارنةٌ ببلدانٍ أوروبية على غرار الحقّ في الطّلاق والإجهاض والانتخاب. وأدّى تطوّر بعض النصوص القانونية فيها وانحيازها إلى جانب المرأة غيظ بعض الرّجال التونسيّين، تغذّى مع الوقت بهيمنة العنصر النسائي على مناصب المحاماة والقضاء. ما يجعل الأحكام الصّادرة مثلا في حالات الطلاق أو الكفالة، تأتي مخلوطة بشيء من الانحياز إلى المرأة.
 زد على هذا وفي نظام التّغطية الاجتماعية مثلا، تتمتّع البنت ببطاقة العلاج الدّائم، مكفولة كانت أو يتيمة، وتضمن، في حالة وفاة الأب تلقّي 30 بالمائة من نفقته كل شهر مادامت غير متزوّجة، في حين لا يشمل الولد أي مبلغ مهما طالت عزوبيّته. و قد رأت فئة كبيرة من المتمتّعات بهذه النسبة من جرايات الآباء الأثرياء خيارا أفضل من الزواج او حتى الالتحاق بعملٍ. 
 حقوق تجلب الفخر لأيّة امرأة تونسيّة بالتّأكيد لو نجح تطبيقها في تحقيق تناغم مع المشهد الاجتماعي العام. فالمفارقة هنا لا تخدم المشهد على انه نجاح مكتمل للمرأة التونسيّة بل إن خطّ سير تطوّر النصوص القانونية من جهة و الأعراف الاجتماعية من جهة أخرى تؤكّد في كل مرّة أن الخطاب الحداثي مطالب بأن يخفّف من وطأة النّسق المناشد للمجتمع الغربي لا المراعي لطبيعة المجتمع الأمّ. وهذا ما يجعل المسؤولية أكبر بكثير على مؤسسات المجتمع المدني النسائية عموما كي تحسّن من الصورة التي تهرب بها بعيدا عن الواقع.

______________________

*كاتبة تونسية 

 

 

 

        

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه