عبد الرزاق قيراط يكتب: في رثاء هيبة الدولة التونسية!

عبد الرزاق قيراط* 
فشلت حكومة الحبيب الصيد في استرجاع “هيبة الدولة” خلال المواجهة الأخيرة بين أعوان البوليس وسكّان جزيرة قرقنة الذين انتفضوا للمطالبة بالتشغيل والتنمية، كما انتفض أمثالهم في القصرين والكاف وسيدي بوزيد..، وكما سينتفض غيرهم في مناطق أخرى ما دامت القيادة الحالية لا تلتفت إلى مطالب الناس، ولا تملك حلولا لمشاكلهم. والبارز في الصورة اليوم، أنّ الحكومة التي وعدت بتحقيق أهداف الثورة عاجزةٌ تماما، والمعارضة التي تراقبها مُقصّرةٌ في التأثير بمقترحات عمليّة، وخطاب بنّاء يتجاوز التعبير عن السخط والملل. ولعلّها ستكتفي في المستقبل القريب بالمساهمة في ابتذال المشهد السياسيّ، وتحويل علاقتها مع السلطة القائمة إلى رسم كاريكاتوريّ رديء، كما فهمنا من التصريحات الساخرة لحمّة الهمامي، بوصفها دليلا على ذلك الدور الذي لا يقدّم معروفاً ولا يؤخّر منكراً. ففي سياق تهكّميّ، تعاطف الهمّامي مع الحكومة، وأشفق عليها بسبب عجزها عن تحمّل مسؤوليّاتها والإيفاء بوعودها، مستنكرا كعادته شيطنة الجبهة الشعبيّة، وكَيْل التهم لقياداتها كلّما تحرّك الشارع رافعا مطالبه المشروعة.
خمر أم بترول؟
وتأويلا لذلك التعاطف والإشفاق، يمكن استعراض التصريحات البائسة التي علّلت بها أجهزة الدولة احتجاج الغاضبين في قرقنة. فقد أعلمنا الناطقُ الرسميّ باسم وزارة الداخليّة أنّ الخمر لعب برؤوس مجموعة من الشباب فقطعوا الطريق وعطّلوا مصالح الناس. وتفنّن أحد النقابيّين الأمنيّين في الاختلاق عندما ذكر أنّ عنصرا إرهابيّا معروفا يقود المسيرات ويهاجم رجال الأمن. وانخرط رئيس الحكومة في ذلك الابتذال فتحدّث أمام رؤساء الصحف عن تورّط قياديّين في الجبهة الشعبيّة وحزب التحرير، ” كانوا وراء أحداث قرقنة والتحريض عليها حسب ما أثبتته التحقيقات”.
غير أنّ الواقع مخالف لكلّ ما قيل، فسكّان قرقنة يجمعهم حزب واحد اسمه (مصلحة الجزيرة) التي يعيشون على أرضها ويتمسّكون بحماية ثرواتها من السرقة باسم الاستثمار. والتصريح بأنّ تحقيقاتٍ أظهرت تورّط أحزاب في التجييش هو من قبيل الإصرار على الخطأ بتجاهل مطالب المتظاهرين وحشر تحرّكاتهم في هامش المؤامرة السياسيّة. فالحكومة تفهم جيّدا أنّ قرقنة جزيرةٌ غاضبةٌ مِن تهميشها على امتداد ستّـين عاما من الاستقلال، وجهةٌ منكوبةٌ بدولة لا حضور لها إلاّ من خلال أجهزتها الأمنيّة الرادعة، ومنطقةٌ بتروليّة واعدة ترفض التفريط في ثرواتها الطبيعيّة التي تُنهب بواسطة عقود مشبوهة. وقد أدّت أعمال التنقيب والإنتاج من ناحية أخرى إلى تلويث البحر، مصدر الرزق الوحيد للبحّارة وأصحاب الفنادق الصغيرة التي هجرها زوّارها من سيّاح الداخل والخارج بعد انتصاب منصّات استخراج النفط على مقربة من شواطئها. لذلك غضبت قرقنة، وكان غضبها عنيفا هذه المرّة، فمشهد سيارة الشرطة التي ألقيت في البحر يلخّص الموقف بصورة بليغة لا تخطئ التعبير عن أزمة ثقة بين الحاكم والمحكوم. والدرس المستفاد من الناحية الرمزيّة أنّ هيبة الدولة سقطت في البحر، وخرجت قوّات الأمن من قرقنة تجرّ أذيال خيبتها وخيبة الحكومة التي أرسلت بها لمعاقبة مواطنين يطالبون بالشغل.. وفي ذلك العقاب يكمن المفهوم الخاطئ  لـِـ”هيبة الدولة”، باختزالها في هراوات البوليس والغاز المسيّل للدموع، واستعمال القوّة المفرطة في حقّ المتظاهرين مقابل تجاهل الحقوق المشروعة والمطالب القديمة…
درس حشّاد
إنّ “هيبة الدولة”، لا تسترجع بالحلول الأمنيّة التي تذكّرنا بسياسات المخلوع بن علي، ولا تستقيم بالاعتداء على المتظاهرين وتعذيب الموقوفين كما أثبتت الرابطة التونسيّة لحقوق الإنسان في تقاريرها، حيث أكّدت أنّ عناصر الأمن هدّدوا النساء بالاغتصاب، وأوقفوا المواطنين عشوائيّا دون إذن قضائي، وأطلقوا الرصاص الحيّ لإرهاب الناس، وسرقوا أموال الموقوفين وهواتفهم واستعملوا العنف الشديد ضدّهم، وقد تمّت معاينة آثار التعذيب على أجسادهم…
وتذكّر منظّمات المجتمع المدنيّ الحكومات الكثيرة التي جاءت بعد الثورة بضرورة “احترام الاتفاقات التي تبرمها مع الأطراف الاجتماعية حفاظا على الهيبة الحقيقيّة للدولة ومصداقيّتها”. لكنّ تلك الحكومات، سواء كانت من التكنوقراط أو من السياسيّين، فضّلت سياسة الهروب إلى الأمام. وظلّت وزارة الداخليّة تسير على نهجها القديم متجاهلة كلّ الدعوات التي تطالبها بإصلاح هياكلها، وتكوين أعوانها وتدريبهم على معاملة المواطنين بما يتوافق مع القوانين ومبادئ حقوق الإنسان.
واللافت اليوم أنّ رقعة الاحتجاجات تتوسّع، وعدْواها تنتقل من مُحافظة إلى أخرى، احتجاجا على حكومة لا تملك من البرامج التنمويّة إلا جملة من المواعظ التي حوّلت وزراءها إلى دعاة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وشرب الخمر!… وقد خاطب الحبيب الصيد التونسيين الذين ينتظرون إنجازات سمعوا بها ولم يروها قائلا: “الصبر مفتاح الفرج!”، وأضاف، في حوار تلفزيونيّ، أنّ الحكومة قد تلجأ للحلّ الأمنيّ لاسترداد هيبة الدولة!..
ولكنّ هيبة الدولة غرقت في بحر قرقنة، وانتُــشِلت من أعماقه جثّة هامدة لا أمل في إسعافها. وما على الحكومة إلاّ أن تتعلّم من ذلك الدرس، وتسأل عن الآباء والأجداد الذين أنجبوا أبناء قرقنة وشبابها الثوريّ، لتعرف أنّهم أحفاد المناضل الشهيد فرحات حشاد الذي سقط برصاص الاستعمار، والذي كان يهتف أمام الجماهير في خطاباته الناريّة قائلا:”أحبّك يا شعب”، وهنا يكمن الفرق الشاسع بين الصادِقِين الذين قضوْا نحبهم والكاذبين الذين نسوا عهدهم وضربوا شعبهم.. وما أبعد الحبّ عن الضرب!

__________________

*كاتب تونسي 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة