صلاح سليمان يكتب: علماء السلطان من الباز إلى زويل

صلاح سليمان*
أمر محير أن يترك العالم أبحاثة ومختبراته، وينصرف إلى عالم السياسة، ينافق  ويداهن من أجل مكاسب شخصية تضره اكثر مما تنفعه، لا يليق بمن وصل إلى الشهرة والسمعة الحسنة من بوابة العلم، أن يستبدل رداء الباحث  برداء السياسي، ويخاطر بالانزلاق في تيارات متخبطة تستفيد بتصريحاته السياسية من اجل تعزيز قرارات الحاكم وتثبيت أركان حكمه.
تصريحات العالم المصري المعروف فاروق الباز في القضايا السياسية مؤخرا لا تخرج عن هذا السياق،  فالعالم الكبير عرفناه منذ أمد طويل من خلال حكايات وأساطير “أبولو “والسير فوق القمر..ولمن لا يعرفه فهو  عالم جيولوجي كبير ومتمكن في علمه،  اشترك يوما ما في مشروع أبولو الفضائي قبل سنوات عديدة وحقق نجاحا كبيرا وقتها .. ولآن الحياة متجددة وسريعة انتهي المشروع وتوقفت رحلات أبولو إلى القمر وانصرف العلماء إلى أبحاث أخرى أهم وأنفع للبشرية،  لكن الدكتور الباز وجد ضالته في الإعلام المصري البائس فأصبح نجما إعلاميا منذ أيام الشاشة البيضاء والسوداء لا يتخلف مرة واحدة عند زيارته إلى مصر من المرور علي كل القنوات الفضائية ليعيد سرد ذكرياته وقصص نجاحاته ومشاريعه التي حفظناها عن ظهر قلب فليس في ذلك ضرر.
ترك الدكتور الباز في الشهور القليلة الماضية ما اعتدنا أن نسمعه منه أثناء رحلاته إلى القاهرة، ولم يتكلم كالمعتاد عن أبولو ومشاريعه التي لم تر مصر أي واحدة منها منذ أن كان مستشاراً علميا للرئيس السادات، لكنه ارتدي فجأة  العباءة السياسية وراح يدلي بتصريحات سياسية ليست في صالحه بل تخصم من رصيده الكبير عند الناس،  من أخطر تصريحاته مثلا ً انه قال:  “إن من حق أثيوبيا أن يبنوا ما شاؤوا من السدود حتي ولو قطعوا المياه عن مصر” ،  رغم البلبلة التي سببها هذا التصريح ، فإنه تم استدراجه في تصريحات سياسية أخرى.
أما الدكتور احمد زويل صاحب نوبل فهو الآخر من أهل السياسة والأبواب المواربة، حتي أنه بعد قيام ثورة 25 يناير وتنحي مبارك سارع بتقديم بيان للشعب بثته القنوات الفضائية المصرية،  استشف منه أنه كان يطمح إلى الترشح لرياسة الجمهورية،  وبعد ضياع الحلم نظرا لتعقيدات المشهد المصري، اعتكف فترة بسبب ما أشيع وقتها عن مرضه .. لكنه عاد منذ أيام قليلة ليدلي بتصريح سياسي حددته مانشتات الصحف بعنواين تقول : أن زويل سيكشف قريبا عن مفاجأة “السيسي” للشعب المصري.
وبعد عناصر التشويق والإثارة كشف عن المفاجأة عندما نشرت صحيفة الأخبار بشأنها تصريحا له يقول فيه: إن رئيس الجمهورية “عبد الفتاح السيسي”  سيقوم بافتتاح جامعة تحمل اسم زويل، مؤكداً أن الجامعة تقدم تعليماً راقياً وحديثاً، وفق المعايير الدولية، بغرض إعداد جيل قادر على النهوض بمصر.
أليس ما تحدث عنه هو جامعة زويل التي تم  التخطيط لها في عام 1999؟، أليست هي نفس الجامعة أو المدينة التي ثار بشأنها جدل وصراع كبير مع جامعة النيل وصل إلى المحاكم ؟ بلي ..إن زويل نفسه يقول في تصريحه إن المشروع قديم ولكن لأسباب سياسية توقف تنفيذه ، وبعد ثورة يناير 2011، تم إحياء المشروع، وصدر مرسوم الحكومة المصرية بتأسيسه، وتم افتتاح المدينة في نوفمبر 2011 في حرم يقع على مشارف القاهرة
اذن المفاجأة في نظره للشعب هي كما قال وهي ليست بالمفاجأة: بأن الرئيس السيسي سيفتتح المشروع القومي قريباً بحضور كبار العلماء، حيث يعد هذا المشروع مشروعاً فريداً من نوعه في عدة جوانب، ولذلك بعد تكليفات رئيس الجمهورية الهيئة الهندسية للقوات المسلحة أن تكون مسئولة عن بناء الموقع الجديد للمدينة على مساحة 200 فدان وقريباً.
الخلاصة انه أراد أن يوحي بمعنى المفاجأة  للشعب أن ثمة مشروعا جديدا، وجامعة جديدة سيفتتحها الرئيس المصري رغم أن القصة كلها قديمة، انها نفس اللعبة السياسية التي توحي بإنجازات العهد الجديد.
أتذكر وقت أن بدأ الدكتور زويل فكرة مشروعه هذا بعد أن منحته الدولة الأرض بالمجان،  أن قام بحملة إعلامية كبيرة من اجل جمع التبرعات من المصريين لإكمال مشروعه الذي تطلب وقتها وفق تصريحاته  10 مليارات جنيه، وقال وقتها أنه سوف يستعين في مجلس أمناء جامعته بـ 4 من العلماء  الحاصلين علي جائزة نوبل ، مما جعل الناس تتساءل وكم سيقبض هؤلاء المستشارين العلميين من الأجانب؟ وماذا سيقدم ذلك الصرح الكبير لمن طلب منهم الدكتور زويل التبرع؟ مثل سكان العشوائيات ؟ وسكان المقابر؟،والذين يبحثون عن أنبوبة بوتاجاز أو رغيف خبز هنا او هناك؟  ثم  لماذا مثلا لم يستغل علاقاته حول العالم في جمع هذا المبلغ ؟ خاصة وأن هناك آلاف المؤسسات والأوقاف التي تتبرع لمثل هذه المشاريع العلمية، عندئذ كان سيليق باسم العالم الكبير أن يطلق اسمه علي الجامعة .
إن الكيفية التي يتصرف بها علماء مصر في الأمور السياسية تجعلنا نتساءل أين الإنصاف عندما تتجاهلون ملف الحريات وحقوق الإنسان والظلم والفساد المتفشي في المجتمع؟ ، وفقط تركزون علي تصريحات غير منصفة في قضايا شائكة لا تملكون فيها دليلا أو حجة،  فقط كل ما يهمكم إرضاء الحاكم حتي لو خسرتم شعبيتكم!

_____________________________

*كاتب مصري مقيم في ألمانيا 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة