مقالات

نور الدين عبد الكريم يكتب: أمة “إقرأ” التي لم تعد تقرأ

نور الدين عبد الكريم*

يوصف فضاء الانترنت بالفضاء الافتراضي، فعلى الرغم من عدم قدرتنا على الاستغناء عنه، في حياتنا العلمية والعملية والأكاديمية والوظيفية والاجتماعية، لما يحتويه من مواد مقروءة ومسموعة ومشاهدة؛ تعكس ما يجري على أرض الواقع، على الرغم من كل  هذا، فهو لا يزال يصنف بأنه افتراضي، وهذا من عجائب مسميات البشر 
فضاء افتراضي تحتاج مركبة إلكترونية لا تبرح مكانها لاختراقه. كواكبه صفحات، عناوين حاراتها روابط و”لِنكات”. مجرّاته مواقع، وأكسجينه سلكي ولا سلكي، ما أن يقف أحدنا على كوكب من هذه الكواكب سواء كان اليوتيوب، أو الفيسبوك، أو تويتر، إلا ويخال نفسه أمام بحر هائج متلاطم، تتعالى أمواجه لججاً من الصفحات والروابط، والتي يغشى بعضها بعضاً. كل رابط من فوقه رابط يتبعه، قد يمد له بصلة، أو قد يكون دخيلا عليه. وهكذا تأخذك هذه المركبة المستسلمة لنقر أصابعك؛ وتقليب كفّيك في طريق لا ينتهي، قد يفضي بك إلى متاهة إن لم تحسن البحث عن العنوان الذي تريد، والمقصد الذي تستهدف، والزمن الذي خصّصت.

تكنولوجيا في الزمن الخطأ
التفكر في هذه الثورة الحقيقية التي حققها هذا الفضاء الافتراضي، يقودنا إلى التساؤل عن طبيعة الحياة التي كنا سنعيشها اليوم لو كان قد كتب لها الظهور في عصور الازدهار العلمي للأمة الإسلامية، في العصور التي كان النتاج العلمي للأمة في أوجه وأفضله، تلك الفترة التي كان الحصول على كتاب جديد يعد بمثابة العثور على كنز نفيس وثمين. حينما كان الباحث على استعداد للتنقل من بلد إلى بلد، والتغرب لعشرات السنين من أجل الحصول على معلومة، أو تعلم نظرية علمية من صاحبها مشافهة.
كلما قلبت صفحات الانترنت، وتجولت بين المكتبات الالكترونية، واطلعت على الكتب والمقالات، من أقصى المشارق إلى أبعد المغارب، وأنا جالس على مقعدي؛ تذكرت القصص والحكايات المحفوظة في كتب التاريخ والسير عن علماء، وباحثين، وطلاب علم، قطعوا آلاف الكيلومترات في سبيل طلب العلم وتحصيله. وهنا يأتي السؤال، هل نتعامل مع كل هذه الوسائل والعلوم التي لم يسبقنا إليها أحد من الأمم بإظهار التباهي والتفاخر عليهم؟ أم يجب أن نظهر عكس ذلك؟
 
بقي بن مخلد
أكثر من يخطر ببالي دائما هو “بقي بن مخلد”، الذي اشتهر بقصته العجيبة حينما انتقل من الأندلس إلى بغداد في رحلة علم تعد مضربا للأمثال في المثابرة والجد وعلو الهمة.
وردت الرواية ببعض التفاصيل التي شكك فيها بعض الرواة، وأثبتها البعض الآخر، لكن، لعل الثابت منها ما ورد أن بقي بن مخلد القرطبي، كان في الأندلس حين قرر أن يأخذ الحديث مشافهة عن الإمام أحمد بن حنبل، وربما لم يسمع حينها بما يمر به ابن حنبل من محنة حالت بينه وبين طلابه، ومريديه. أو ربما كان خروجه في رحلته قبل بدء هذه المحنة، حيث يرى بعض الرواة أن رحلته إلى بغداد استغرقت قرابة عشر سنوات، ويزيد البعض أنه ارتحلها سائرا على قدميه، بسبب تكلفتها أولا، وفقره ثانيا. 
لم يمنعه بعده ولا فقره من أن يحقق أمنيته تلك. فقرر أن ينتقل على مراحل ومحطات، يعمل قدراً من الزمن، ويدخر مبلغاً من المال يكفيه للانتقال من مكان وصوله إلى المحطة التالية، وهكذا حتى وصل بغداد حيث الشيخ أحمد بن حنبل. وحينما وصل مقصده كانت المفاجأة، فالشيخ قد فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله، ومُنع من إعطاء الدروس في المسجد أو مقابلة أيٍ من طلابه وزملائه.
تقول الرواية، أنه عندما وصل بقي بغداد وسأل عن مكان انعقاد دروس الشيخ أحمد، وأخبره الجميع بما حل به، لم يمنعه كل ذلك من تحقيق غايته وأخذ الحديث عنه. فقرر التوجه إلى بيته وتحدي سطلة النظام ودكتاتوريته. وهذا ما حصل، فطرق باب الشيخ وأخبره بأنه طالب علم قطع آلاف الكيلومترات ليجلس بين يديه ويحفظ منه أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأمام إصراره وحرصه لم يتمكن الشيخ من منعه.
طالب متسوّل
ولكن حرصاً على سلامتهما، وتخفيا من أعين النظام وجواسيسه، اتفقا على أن يحضر يومياً إلى منزل الشيخ على هيئة متسول بملابس رثة، فيطلب شيئا من زاد الدنيا وطعامها، ويخرج إليه الشيخ ليعطيه كسرة خبز، أو بقية طعام، ثم يلقنه الحديث أو الحديثين على عجالة وفي سرّية، فيحفظه عنه ويعود من غده إلى مثل ذلك محاولاً جمع وحفظ أكثر عدد ممكن من الأحاديث والنصوص.
وبقي الحال على ذلك بين الشيخ والتلميذ ما شاء الله له أن يكون، إلى أن تولى الحكم الخليفة المتوكل، وقرر رفع الحظر، وإنهاء المحنة، وإطلاق سراح الشيخ، وإعادته إلى مجلس علمه، وحلقته في المسجد. وهنا تقول الرواية أن الشيخ أحمد أكرم منزلة ابن مخلد، وكان يضِرب فيه المثل أمام أقرانه في حرصه على طلب العلم وبذل المستحيل في سبيله. وعندما عاد إلى الأندلس عكف على تأليف خلاصة رحلته تلك، فألف كتاب “التفسير” و”المسند” وكان له شأن عظيم، وحظ وافر من الاحترام والتقدير لما يملك من علم ومعرفة.
مقارنة بين عصرنا وعصرهم
من يقف على هذه الحكاية، وأمثالها الكثير من القصص التي تُظهر حرص علمائنا وهممهم العالية في تحدي كل العقبات والصعوبات -على كثرتها في ذلك الزمان-، في سبيل تحصيل المعلومة وإفادة النفس والمجتمع؛ قد لا يملك إلا أن يخجل منهم، أو أن يكون على قدرهم من الجهد والمثابرة، ولا خيار ثالث.
في زمننا المعاصر كسرت التكنولوجيا حاجز المسافات وحدود الجغرافيا، واختصرت الجهد والعناء للوصول إلى مصدر المعلومة، ومع كل ذلك، لو أجرينا إحصائية علمية تقارن بين الإنتاج العلمي لأمتنا المعاصرة وقارنها بمن سبقنا لربما حصلنا على نتيجة تفوق الصفر بالقدر اليسير فقط.
لو كانت هذه الوسائل المعاصرة متاحة لشخص مثل بقي من مخلد، فبالطبع لكان انتاجه العلمي أضعافا مضاعفة لما ترك لنا. نعلم أن لكل زمان طبيعته، وأن لكل مرحلة بيئتها وظروفها. في السابق كان الاعتماد على عنصر الحفظ أساساً، كوسيلة للارتقاء بالمعرفة. فالعلم كان محفوظاً في الصدور وما تيسر من الأرواق، أما اليوم؛ فالعلم محفوظ في كل زوايا هذا العالم الافتراضي، وأصبح الاعتماد بالتالي على عنصر البحث و”جوجلة” المعلومة، على حساب الذاكرة والحفظ، وأصبح الوصول إلى النصوص والمصادر والمراجع متاح من أي مكان وبأسرع الأوقات. ومع كل ذلك لا زلنا في ذيل الأمم من ناحية الإنتاج العلمي والفكري. 
على الرغم من كل ما بين أيدينا اليوم من الوسائل والتكنولوجيا، والتي من شأنها أن ثري وتقوي البحث العلمي، وترتقي بمستوى حضارتنا إلا أنها لا تُوظف في ذلك. مشكلتنا الأساسية تكمن اليوم في فتور الهمم والعزائم، وفي ضياع البوصلة وقلة التوجيه. قد يتفاخر بعضنا بما توصل إليه العقل البشري في عالم التقنية، ولكنه لا يدرك أن كل هذا سيكون حجة علينا يوم نسأل غدا عن دورنا في خلافة الله على أرضه.
مشكلتنا الأساسية هي أن أمة اقرأ لم تعد تواقة للقراءة والتفوق

__________________________________

 
*كاتب أردني، وباحث في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة