عبير الفقيه تكتب: في أوروبا..مَنِ المعنيّات بعيد المرأة؟!

في المجتمع الإسباني، تحظى المرأة العربية المهاجرة بحضور واضح،إذ ارتسمت في أذهان الأوروبيين، صورتها هاربة من سجن مجتمعها

عبير الفقيه*
    يعيش المجتمع الأوروبي زخما ثقافيّا لافتا هذا الأسبوع من كلّ عام على وقع الاحتفال بعيد المرأة العالمي يوم 08 مارس/آذار؛ إذ يزدحم المشهد الإعلامي و شبكات التّواصل الاجتماعي طوال الأسبوع بالتّظاهرات و النّدوات الدّاعية إلى استكمال مسيرة المساواة بين الجنسين في جميع المجالات. و تتراوح الفقرات الثقافية و الفنية وحتى الرياضية المُنظّمة على هامش هذه المناسبة بين السقوط في التّكرار المُمل و فراغ المعنى من جهة و الطّرح الجدّي الواقعي لقضايا المرأة من جهة أخرى.

ورقة رابحة

     ففي المجتمع الإسباني مثلا، تحظى المرأة العربية المهاجرة بحضور  واضح في هذا المشهد، باعتبارها ورقة رابحة في أي موضوع يُثار، إذ ارتسمت مع الوقت، في أذهان الأوروبيين و حتى العرب أحيانا، صورتها وهي الهاربة من سجن مجتمعها الأمّ بكل إرثه العربي أو الاسلاميّ الخانق، لترتمي في أحضان مجتمع يهبها سقفا عاليا من حُرّيّات لم تحلم بها يوما.

 طرح براغماتي مَحض، يُعزّز فيه المجتمع الغربي صورته كمُنقذٍ للأنثى المظلومة في الألفية الثالثة من ناحية. و تحصُد فيه المرأة تعاطفا كبيرا قادرا على فتح أبواب الحرّية والتّحرّر على مِصراعيها، لاسيما إذا أتقنت دور الضّحيّة لثقافة ذكوريّة. ثقافة، كثيراً ما حرصت التّيارات اليساريّة الراديكالية و موجات الإسلاموفوبيا المتعالية على تصويب إصبع الاتهام فيها إلى الإسلام كَدِينٍ ظالم وإلى المجتمع العربي، كحاضنة لاضطهاد المرأة و التحكّم فيها من قِبَلِ الرّجل.

    في الحقيقة، و لتفادي أيّ لُبسٍ، أودّ تصنيف المرأة المهاجرة في أوروبا في ثلاث خانات حسب أسباب الهجرة، إذا استثنيت المرأة المواطنة الأوروبية ذات الأصول العربية طبعا. 

   فهي إمّا ابنة أو أمّ أطفالٍ التحقت بأُسْرتها في إطار هجرة قانونيّة تأخّرت لأسباب بيروقراطيّة أو خاصّة. أو هي مهاجرة مُستقلّة، غالبا ما تهاجر لاستكمال مسيرة تعليميّة عالية أو الالتحاق بمنصبٍ طلبها لمؤهّلاتها أو أحيانا أخرى فُتِحت لها أبواب الحظّ في غفلةٍ من الزّمن وتمكّنت من الانتقال الى المجتمع الأوروبي دون مقايضتها بزواجٍ أو تسجيل جامعيّ. أمّا الثالثة فهي المهاجرة لأوّل مرّة بفضل زوْجٍ (عربي أو أوروبي).

    الشّريحة الاجتماعية الأولى لا يستهويها الظّهور و النّشاط الثقافي غالبا، فشخصيّتها تكاد تكون مكتملة المعالم في مجتمعها الأمّ الذي نشأت فيه، و تكون مكتفية بالدّور المادّي المُريح للمجتمع الجديد. وهي واعية تماما أنّ انتقالها من المجتمع العربي إلى الغربي كان بفضل ” الرّجل”، أبًا كان أو زوْجًا. لذلك لا تدخل عموما في صراعات معه بشكلٍ  يجعلها تسعى للحصول على سَنَدٍ حقوقيّ أو قانونيّ يحاسب ظالمها ( إن وُجِد) و يمنحها مساحة أوسع من الحرّية. هي مُسالمة، ولا تشغل بالها بقضايا المرأة

تدافع الأصوات.
   وهناك شريحة هي التي تحظى باهتمام الجمعيّات الحقوقية والدّوائر الثّقافية، فهي المتعلّمة الجامعيّة، أو صاحبة الإطار المهني الهانئ بمنصبٍ عالٍ. غالبا ما تتدافع الأصوات المنادية بحرّية المرأة عليها، فهي في نظرهم مجال استثمارٍ إعلاميٍّ خِصبٍ، فتجدُها مُطّلِعة على وضعيّة المرأة في مجتمعها الأمّ، عارفة بكمّ التّشريعات التي كسبتها و التي تسعى إليها، و واعية أكثر بوزن سطوة المجتمع وأعرافه التي تعصِف بنصوصٍ دستورية بأسرها إن شاءت. هذه المرأة ذاتها تُثلِجُ صدور المتربّصين بعيوب المجتمع العربي بخصوص هذا الموضوع، إن شكت و شتمت وأدانت وأجمعت على أنّ السّبب الرّئيسي لاضطهاد المرأة و تأخّرها هو دينها و مجتمعها الذي يسيّر خطواتها. زِدْ على هذا، الشّهرة التي تحصدها في المساحات الإعلامية أينما ولّينا وجوهنا إن هي شقّت القميص و خرجت علينا بصدرٍ أو شبه صدرٍ عارٍ، كتعبير استنكاري عن الكبت و القهر الذي تُمارِسه المجتمعات العربيّة على نسائها، وتحاط الضحية المزعومة بتعاطف مبالغ فيه حتى وإن كانت هذه جاهلةَ بأبجديّات قضايا المرأة.

التصالح مع الثقافة الدينية
   و بعيدا عن المُتاجرة بهذا الشّأن، تعترضك بين ثنايا المشاهد الاحتفالية، أمثلة من نساء عربيّات مُتصالحاتٍ مع ثقافتهنّ الدينية و الاجتماعيّة ومندمجات بشكلٍ متوازنٍ مع المجتمع الجديد، ناجحاتٍ ثقافيّا و معرفيّا و مهنيّا، يشخّصن موضع الدّاء في وضعيّة المرأة المتردّية في المجتمع العربيّ و يعترفن بالتقدّم الحاصل في القضيّة دون الوقوع في الابتزازٍ أو المغالطة.

و في الحقيقة وجب التّنويه هنا، الى أنّ خطاب هذه الشّريحة الاجتماعية  {قليلة العدد} تستأثر باهتمام العقول الأوروبية المعتدلة، و غالبا ما تأخذ على عاتقها الظّهور في المحافل الدّولية و المناسبات العامّة لإنارة الرّأي العام برؤية موضوعيّة من باب المسؤوليّة الأخلاقية التي تحسّها تُجاه ثقافتها الأمّ او ربّما خدمةَ لطموحات شخصيّة.
    أمّا الشّريحة الاجتماعية الأخرى و التي تشمل النّساء الملتحِقات بأزواجٍ في المهجر فلا تكاد ترى لهنّ أثرا في هذه المحافل الثقافية و المناسبات الحقوقيّة. و هنّ عموما غير منشغلاتٍ بضرورة مساندة العمل الميداني في القضايا الكبرى  حتّى و ان كانت القضية هى “المرأة” او “الوطن”.

غالبا ما تكتفي الواحِدة منهنّ بتذكرة الطّائرة مهرَا لها، فتراها تَهبُ عمرها لزوجٍ (مهما كان طبعُه) يوفّر حياةَ في مجتمع أوروبي حيث الطّبيعة الخضراء و مساحات التّسوّق و التّرفيه، و كلّ ما تبقى من مرافق و ثقافة فتصنيفه يمرّ آليّا إلى خانة الثانويّات. لهذا لا ترى مانعا من التّكاثر مادام النّسل يعزّز مكانتها (قانونيّا) لدى الرّجل ويُبعِدُ شبح الطّلاق عن أسرتها، أمّا عن نوعيّة التربية و العناية أو حتى مستوى التّواصل بين الزّوجين فذلك أمرٌ ثانويّ أيضا. و بديهيّ إذن أن لا تتحول المرأة هنا إلى مهتمّة او ناشطة في قضايا المرأة إلّا إذا انكسر عشّ الزّوجية و أصبحت بموجبه مُطلّقة أو في طريق الطّلاق. حينها يحلو النّضال، فترى الأصوات و الجمعيّات الحقوقيّة تتهافت عليها من حيث لا تعلم، فهي “ضحيّة” لا محالة مادامت زوجة عربيّ أو مسلم. قضيّة مُربِحة غالبا، تحصد ضمانات مادّيّة و معنويّة لصالح المرأة خصوصا لو حضرت فيها أدِلّة عنفٍ مادّي مارسه عليها الرّجل.
    إجمالا، مهما عَلَت الأصوات المنادية بتحقيق المساواة كاملة بين الرّجل و المرأة، علينا أن نعترف أن سبب فشل المرأة أحيانا أو مواصلة اضطهادها لا دخْل للرّجل فيه، بل هي نفسها المسؤولة. فهناك نسوة فُتِحت أمامهنّ أبواب الحرّية و النّجاح و لم يمارس عليهنّ المجتمع أو العائلة ضغطا أو تسلّطا، ومع ذلك فشِلْنَ، و رميْن فشلهنّ على الآخر  لِمغالاةٍ واستعمالٍ خاطئٍ للقضيّة.

____________________________

*كاتبة تونسية تقيم في إسبانيا 

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة