عبد القادر عبد اللي يكتب: الصراع التركي الإيراني إلى الخلف

تكمن تركيا في قلب مشروع إيران الإمبراطوري. وإذا لم تعلن إيران حتى الآن أهدافها بشكل جلي فهي تعمل منذ سنوات طويلة على محاور عدة أهمها: نشر التشيّع في الأناضول.

عبد القادر عبد اللي*
جاءت زيارة رئيس الحكومة التركية أحمد داوود أوغلو إلى طهران افتتاحية لنشاطات دبلوماسية كثيرة بين البلدين، ستكون خطوتها التالية زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى أنقرة، وعقد اجتماع لمجلس التعاون الاستراتيجي الذي كان قد شُل تماما منذ أكثر من عام برئاسة رئيسي الجمهورية في البلدين.

وقبل هذه الزيارة صدرت دعوات إيرانية للمستثمرين الأتراك، وقد زار إيران رئيس اتحاد الغرف التجارية والصناعية في تركيا. هل هذه مؤشرات على تغيير في سياسة البلدين؟ أم انقلاب في سياسة تركيا لصالح إيران؟

المشروع الإمبراطوري الإيراني وتركيا:
تكمن تركيا في قلب مشروع إيران الإمبراطوري التقليدي. وإذا لم تعلن إيران حتى الآن أهدافها في تركيا بشكل جلي كما تعلنها في البلاد العربية، فهي تعمل منذ سنوات طويلة على محاور عدة أهمها:
– نشر التشيّع في الأناضول: ويُستهدف بالتشيع العلويون بالدرجة الأولى. ولا يفوت الزعيم الروحي لشيعة الأناضول “حجة الإسلام” صلاح الدين أوز غوندوز فرصة إلا ويستخدم فيها ورقة “المظلومية العلوية” وضرورة إنصاف هذه الطائفة ومنحها ثلاثين بالمائة من مقاعد الحكومة وهي النسبة التي يدعيها لعلويي الأناضول. وإذا كان التشيع لم ينتشر كثيرًا، فقد ارتبط جزء مهم من علويي تركيا معنويًا بإيران.

– ربط التنظيمات والأحزاب الشيوعية واليسارية التركية بسياستها: وتستخدم بهذا الربط أساليب متعددة أهمها التمويل، وقد بدا هذا بوضوح أكبر اعتباراً من عام 2011 إذا انقلبت كثير من المجموعات السياسية التركية على سياستها، فبعد أن كان شعار هذه المجموعات مع مجموعات يسار الوسط العلماني “لن نسمح للعدالة والتنمية أن يجعل تركيا كإيران” أصبحت إيران قبلة هذه المجموعات، وبوصلتها.. وبات شعارها غير المعلن “سنجعل تركيا تابعة للولي الفقيه”.. ومن الملفت تسلم قيادات علوية لهذه التنظيمات.

– تأجيج الصراع التركي الكردي: كانت إيران من أشد المعارضين للمشروع الذي سُمي في تركيا “مرحلة الحل” وهو إيجاد حل سياسي للقضية الكردية في تركيا، وقد اعترف قادة حزب العمال الكردستاني بالتدخلات الإيرانية لعرقلة الحل، وبعد اندلاع الحرب التركية الكردية اعتبرتها إيران حربها، إذ نزل وزير الداخلية الإيراني إلى معسكرات هذا الحزب في الجزء الواقع تحت السيطرة الإيرانية من جبل قنديل بالبزة العسكرية معلنًا دعمه لهذا الحزب، وصرح قبل فترة قصيرة قائد القوى البرية في الحرس الثوري الإيراني بأن حزب العمال الكردستاني تحت نفوذهم تماماً، ويمكن لهم أن يضربوه فيما لو تجاوز الأهداف المرسومة له، ولم يصدر رد رسمي أو غير رسمي عن حزب العمال الكردستاني حول الادعاءات الإيرانية هذه.

النجاحات الإيرانية في مواجهة تركيا:
لقد عبر المشروع الإمبراطوري الإيراني مرحلة هامة جداً إبان ما اصطلحُ على تسميته غزو العراق عام 2003. فقد تمكن الإيرانيون وحلفاؤهم من العراقيين من عقد صفقة مع المحتل الأمريكي، وشاركوا الأمريكان فعلياً بالغزو مما جعلهم يحظون بأكبر حصة من كعكة الغنائم، وأصبح لهم نفوذ مهم في العراق. فغالبية التيارات الشيعية العربية والتركمانية تتبع إيران، وهناك تنسيق يقوى تدريجياً بين بعض تيارات المكون الكردي وإيران. بينما رفضت تركيا الغزو الأمريكي للعراق، ولم يمرر البرلمان التركي مذكرة السماح للقوات الأمريكية باستخدام الأراضي التركية في الغزو، وهذا ما أدى إلى خسارة تركيا موقعاً مهماً في مواجهة إيران، وقد فشلت تركيا بترميم هذه الحالة بينها وبين إيران في العراق من خلال دعم تكتل سني شيعي لا يتبع النفوذ الإيراني بقيادة إياد علاوي أو من خلال إقامة علاقات وطيدة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود برزاني.
من جهة أخرى نجح الإيرانيون بإحكام السيطرة على بيروت، ودمشق، وصنعاء، وكسب شيء من النفوذ لدى حكومات الثورة المضادة في كل من مصر وتونس، والسيطرة على غالبية الحدود البرية جنوب تركيا مما يؤدي إلى استطاعة إيران التدخل في تركيا وتأجيج الصراعات في الوقت التي تريد.

النجاحات التركية في مواجهة إيران:
راهنت إيران على دعم المعارضة التركية من أجل تشكيل حكومة ائتلافية خارج حزب العدالة والتنمية، وقد حظيت بدعم دولي واسع من أجل تشكيل حكومة تركية كهذه، ولكن نتائج الانتخابات التركية الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن حكومة كهذه لا يمكن لها أن تنجح، وقد حصل حزب العدالة والتنمية على نسبة كبيرة من أصوات خصومه السياسيين بسبب إيمان هؤلاء بعدم أهلية تلك المعارضة للإدارة بحسب الدراسات التي أجريت بعد الانتخابات.
إذا كان تأجيج الصراع الكردي التركي قد حقق شيئاً من التوتر الأمني في تركيا، فإن آفاق هذه الحرب تكاد أن تكون مسدودة حالياً إذ مازالت الولايات المتحدة الأمريكية تفصل بين العمل العسكري لحزب العمال الكردستاني في العراق وسوريا، وعمله في تركيا، وهذا ما يمنح الفرصة للسلطات التركية بضرب الحزب الكردي في كل من تركيا والعراق، في حين أن هذا غير مسموح في سوريا. ونتيجة هذه المعادلة لابد أن إيران ترى انسداد الأفق من الحرب الكردية التركية الدائرة حالياً.
التقارب التركي الإيراني الجديد:
كان الملفت للانتباه شبه الصمت الرسمي التركي عن المواقف الإيرانية، وما عدا بعض التصريحات القليلة خفيضة النبرة مثل تصريح الرئيس التركي: “إن إيران تساهم بتأجيج الصراع المذهبي” ليس ثمة تصريحات تحمل نبرة العداء لإيران. وبالمقابل تشن وسائل الإعلام الإيرانية في إيران وخارجها، وبما في ذلك داخل تركيا حملة عنيفة على الحكومة التركية، ولا يفوّت المسؤولون الإيرانيون فرصة إلا ويكيلون مختلف الاتهامات للحكومة التركية، ولكن قبل حوالي شهر، وفي لقاء عقده السفير الإيراني السابق في أنقرة مع الصحفيين الأتراك بمناسبة انتهاء مهامه، تغيرت النبرة الإيرانية جذرياً في حديث السفير، وكان أول من يعلن عن زيارة داوود أوغلو إلى طهران، وزيارة حسن روحاني إلى أنقرة، وبرنامج زيارات مرتقب للعديد من المسؤولين بين البلدين، وسبقها تقديم إيران بعض التنازلات في أسعار الغاز الطبيعي الذي تشتريه تركيا، والوعد بتقديم تسهيلات استثمارية للمستثمرين الأتراك.
من الواضح أن الصراع التركي الإيراني لم ينل من تركيا على الرغم من تحقيق إيران بعض النقط لصالحها في هذا الصراع، والأمر ذاته ينطبق على تركيا، ولعل هذا ما جعل الإيرانيون يطرقون باباً آخر هو تقديم التسهيلات الاقتصادية. لعل التسهيلات الاقتصادية تفرض دفع الصراع السياسي والعسكري القائم حالياً بين البلدين إلى الخلف، وإسدال ستارة عليه، وتبدو الخطوات الأخيرة تغييراً أو انقلاباً في سياسة البلدين، ولكن جمر هذا الصراع لن يُطفأ نهائياً، وسيبقى تحت الرماد جاهزاً للتأجج في أي لحظة.

________________________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة