سمير العركي يكتب: نهاية التنظيم “الإله”

حلول مفهوم “التنظيم” محل مفهوم “الأمة” جعل الانتماء للأول عوضاً عن الثاني، وأصبح التمكين للتنظيم بديلاً عن التمكين للأمة وقد فطنت الثورات المضادة إلى تلك الثغرة مبكراً.. يتبع.

سمير العركي*

ارتبط مفهوم الدولة “الإله” عربياً بنشوء الدول القومية عقب إعلان سقوط الخلافة الإسلامية 1924، إذ اتجهت السلطات التي تكونت عقب الرحيل الشكلي للاستعمار الغربي إلى تأسيس أنظمة شمولية تتمتع بسلطات مطلقة، وقد عمدت تلك الأنظمة إلى إعلاء مفهوم الدولة على حساب قوة المجتمع وفاعليته، وفي سبيل ذلك عملت على تأميم أنشطة المجتمع المختلفة لحساب الدولة، ما أدى إلى ضمور النشاط الأهلي وانصراف عموم الشعب عن المشاركات المجتمعية الفعالة ما أدى إلى تغول الدولة بأجهزتها المختلفة وخاصة الأمنية منها في كل الفضاءات التي كانت يوما ما مسرحاً  لنشاط مجتمعي بارز، وشيئاً فشيئاً انتقلت هذه القداسة إلى السلطة الحاكمة التي نصبت نفسها وصياً آحادياً على بقاء الدولة وديمومتها فصار النقد الموجه لها نقدا وطعناً في الدولة ذاتها! وأضحت دعوات تداول السلطة دليلاً دامغاً على الخيانة والعمالة ! ولم تكتف السلطة ” الإله ” بتهميش المجتمع بل عمدت إلى ملاحقة الإنسان في أفكاره ومعتقداته وملبسه ومأكله  !
والمفارقة أن المجتمعات التي كان لزاما عليها أن تناضل طويلاً لاسترداد حريتها وحيويتها تأثرت سلباً بالأجواء التي صنعتها الدولة “الإله” إذ تسلل النموذج السلطوي – من دون وعي – إلى قواها المجتمعية الفاعلة التي كانت تناضل من أجل القضاء على الدولة “الإله ” وعلى رأس هذه القوى الحركة الإسلامية التي كان من المفترض أن تمثل قاطرة المجتمع لنيل حريته واسترداد كرامته، لكن وجودها وسط أجواء سلطوية بالغة السوء أصاب بنيتها التنظيمية بمثالب خطيرة إذ تحول “التنظيم” و”الجماعة” إلى نموذج مصغر من الدولة “الإله” والذي يمكن تلمح انعكاساته في المظاهر التالية:
1- حلول مفهوم ” التنظيم ” محل مفهوم “الأمة” فصار الانتماء للأول عوضاً عن الثاني، وأصبح التمكين للتنظيم بديلاً عن التمكين للأمة وقد فطنت الثورات المضادة إلى تلك الثغرة مبكراً فعمدت إلى تعميقها حتى نجحت في تحويل الصراع من صراع بين أمة تبحث عن حريتها وبين سلطة مستبدة، إلى صراع ثنائي بين قوتين متفاوتتين من حيث القوة والقبول الشعبي (الإخوان والجيش) ولم تفطن التنظيمات الإسلامية إلى هذه الإشكالية إلا بعد فوات الأوان إذ أسكرتها لحظات الانتصار الوهمية عقب رحيل مبارك وظنت أن الدولة قد دانت لها فسارعت إلى تأكيد انتصارها بل انتصار تنظيمها عبر حشد الجماهير إلى صناديق الاقتراع في استحقاقات انتخابية مختلفة ، حيث كانت تشعر بالانتشاء عقب كل فوز وانتصار ولم تكن تدري أنها تساق إلى حتفها بسبب تحييد الأمة التي كانت على أتم الاستعداد في لحظة ما إلى استكمال ثورتها حتى شوطها الأخير.
2- تراجع قيمة الفرد لصالح التنظيم “الإله” حيث تحولت العلاقة بين الطرفين إلى إطار “مقدس” أسبغ فيه “التنظيم” هالة من القدسية على علاقة الفرد بـ “مسؤوليه” عمادها مبدأ السمع والطاعة والذي لعب دوراً كبيراً في تقزيم الفرد ما أدى إلى تغول التنظيم “الإله” على الفرد بل والبطش به في أحيان كثيرة .
3- اختفاء قيم المحاسبة والشفافية داخل التنظيم بعد أن اكتسب القائمون عليه ذات القداسة التي تم إضفاؤها على التنظيم الجامع ، فحلت عبارات “الثقة في القيادة ” و “الحفاظ على وحدة الصف ” و”ربانية القيادات ” محل عبارات المساءلة والمحاسبة والشفافية والعزل.. إلخ .واستأثرت مجموعات صغيرة بقرارات مصيرية ، وعندما ثبت خطؤها الذريع اعتبرته اجتهادا تستحق عليه أجراً! بدلاً من أن تُخضع نفسها للمحاسبة والمساءلة بعد تقديم استقالتها .
لكن المياه التي جرت في النهر منذ عام 2011 حتى الآن كانت من الغزارة بمكان أن تبقى معها نفس المفاهيم بذات القدسية التي كانت عليها ، فالجماهير التي خرجت في الشوارع والميادين معلنة ثورتها وتمردها على الدولة ” الإله ” ، أصبح من الصعوبة إخضاعها لآلهة أخرى مصنوعة تستلب حريتها، وتدمر كينوتها
ومن هنا فالواجب المسارعة إلى “أنسنة” هذه التنظيمات بحيث تصبح جزءاً من الأمة في معركتها المصيرية لاسترداد حريتها ، فتعلو مصلحة الأمة على مصلحة التنظيم إذ إن تيار التغيير الجارف المندفع بشدة وطال في طريقه كل شىء حتى جغرافية الدول المستقرة منذ عشرات السنين لن يترك هذه التنظيمات على ما كانت عليه. 
_______________________

*كاتب مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة