ابتسام تريسي تكتب: “أسماء الأسد” و”حماتها”!

أسماء أرادت أن تقول في كلمتها: “شوفوا الفرق بيني وبين أنيسة” أيّ “شوفوني ما أحلاني!”.وعلى قول أسماء في خطابها “عن جد وين كنّا ووين صرنا؟”.

ابتسام تريسي*

لم تظهر أسماء الأخرس- زوجة بشار الأسد منذ زواجها حتّى عام 2016 على الإعلام كسيدة أولى لتلقي كلمة أو تخاطب جمهوراً في أي مناسبة قومية أو وطنية، وكي تلهو بعيداً عن ملعب بيت الأسد السياسي الطائفي بكلّ ضغائنه ومؤامراته وأحقاده منحها الأسد زاوية صغيرة في سوريا تصنع فيها عرائسها ولا تنافسها إحدى نساء الأسرة الحاكمة من آل الأسد ومخلوف. اللعبة كانت “العناية بالآثار” وعرفت أسماء الأسد كيف تجمّل لعبتها وتصدرها للمهتمين بمجال الآثار فاتجهت إلى المدن المنسية -وهذا اللقب كان يطلق على الشمال السوري وبالتحديد على محافظة إدلب وريفها- وقد حاول الأسد الأب سلخها من ذاكرة الدولة لسبب مهم جداً وهو أنّه خلال زيارته في بداية السبعينات للمدن السورية في حملة ترويج لانتخابه رئيساً مرّ في بلدنا وكان حماس الناس استثنائياً لرفضه كرئيس فخرجوا إلى الشوارع حاملين صور جمال عبد الناصر وقابلوا سيارته المكشوفة بهتافات ضده، وحين وصل إدلب المحافظة لم يكتفِ سُكّانها بالهتاف ضده ورفض رئاسته بل ضربه أحد المحتجين بحذائه.. من يومها طار الرجل والحذاء والمحافظة فقد هُمِّشت خلال ثلاثة عقود من حكم الأسد الأب ثمّ حاول ابنها البار “رياض نعسان آغا” خلال فترة “حكمه” في وزارة الثقافة في عهد الأسد الإبن أن يعيد إليها بعض الضوء والاهتمام فطلب تشكيل لجنة لإحياء التراث، وكرّم كاتبها الساخر المرحوم حسيب كيالي!
أمّا أسماء الأسد فقد اختارت “العائلة” إدلب ملعباً لها، المكان الذي لا يطيقه آل الأسد والطائفة العلوية تعتبره بؤرة التخلف والإرهاب، وكنت أواجه منذ بداية دخولي عالم الرواية الاستغراب من كوني أنتمي إلى هذه المحافظة “مفرخة الإرهابيين” التي لا يمكن أن يعيش فيها مبدع! كنت أواجه عبارات الاستغراب والاستنكار بالدهشة، مع بداية الثورة صار واضحاً بالنسبة لي لماذا أصنّف ضمن الإرهابيين والمتخلفين الذين لا يمكن لمجتمع سوريا الأسد قبولهم في صفوفه.
عندما دخلت أسماء الأسد محافظة إدلب لأوّل مرّة استغربت أنّ الشارع الرئيسي من جهة أريحا مغلق وعلى السائق أن ينعطف ويلف مسافة طويلة كي يصل إلى “المحريب” فسألت عن السبب فقالوا لها إنّها منطقة أمنية فيها فرع للمخابرات فأمرت بفتحه.. طبعاً الطريق أغلق في الثمانينات قبل ذلك كان مفتوحاً أمام الباصات الداخلية والناس.
وذهبت أسماء الأسد إلى “تل مرديخ” والتقطت صوراً وهي تنزل إلى الحفريات وتحفر بيدها مع المنقبين عن الآثار وأمرت ببناء “صرح” مركز ثقافي هناك في مدخل القرية على أمل أن تفتتحه ويكون أحد إنجازاتها الثقافية في المحافظة وصار جاهزاً عام 2009 ولم تفتتحه أسماء الأسد ربما كانت تنتظر مناسبة قومية ما لإقامة احتفالية كبيرة حين تدشين المبنى.
عام 2013 استهدف تنظيم الدولة المبنى بسيارة مفخخة بسبب سيطرة لواء سيوف الحق عليه. إذن الثورة أضاعت أحلام أسماء الأسد في إقامة منشأة خاصة تديرها وتحكمها وتصبح سيدة أولى نظيرة لحماتها “حاكمة الظل” التي لم تكن امرأة من نساء العائلة تستطيع الظهور في وجودها على الرغم من كون أنيسة مخلوف طيلة ستة وأربعين عاماً من حكم الأسد وابنه لم تظهر في وسائل الإعلام ولم يسمع السوريون صوتها، كانوا يرون صورها خلف الأسد أو بجانبه في الزيارات الرسمية. وفي عهد الابن كانت الصور الملتقطة لها نادرة جداً، مع هذا لم تكن تسمح لأسماء بالظهور كسيدة أولى وربّما ظنّت هي وابنتها بشرى وباقي نساء العائلة أنّهم زجوا بأسماء في وكر الإرهابيين وكر الكراهية، ولم يعرفوا أنّه كان بإمكان أسماء أن تحظى بشعبية كبيرة في تلك المدن لو لم تقم الثورة ليس لكونها حمصية ومسلمة سنية؛ بل لأنّ سكّان هذه المدن بشر أحرار لا يُحمِّلون وزر ما قام به الأسد الأب من مجازر في مدنهم.
لكنّ الرياح جرت بما لم تشتهِ السفن وقامت الثورة وكانت حصيلة أسماء من لعبتها شهادة دكتوراه فخرية في تاريخ الآثار وعلومها من جامعة “لاسابينزا” الإيطالية تسلّمتها في مدينة “إيبلا”، وهي ثاني شخصية عالمية تحصل على هذه الشهادة من جامعة روما بعد البابا يوحنا بولس الثاني. وليس من مجال الآن للبحث وراء هذه الصفقة وثمنها!
أخيراً ظهرت أسماء الأسد على شاشات التلفزيون لتلقي كلمة بمناسبة “الأولمبياد العلمي السوري” كلمة طويلة نسبياً بدت فيها أسماء الأسد “كسيدة أولى” مدّت يديها على طولهما تستند على الطاولة أمامها في وقفة تحدَ تدل على الثقة الكاملة على الرغم من أن ريقها الناشف خان حروفها أكثر من مرة وظهر كأنّ قلبها يرتجف.. لكنّ كلمتها التي ألقتها باللهجة العامية ومن دون النظر إلى ورقة كانت تقول الكثير غير ما صرّحت به.. كانت تقول: “لقد ماتت أنيسة”
منذ تلك اللحظة لا شكّ أنّ والدة الأسد قد أخلت الساحة وخرجت من الدنيا، من الواضح أنّ خبر إعلان وفاتها تأجل حتّى تنتهي أسماء الأسد من الاحتفالية وتكريم الطلاب المتفوقين الذين كان بينهم “حافظ الأسد” الحفيد والذي حاز على المرتبة “السابعة”!
المرتبة السابعة التي تعطي لأسماء الأخرس مصداقية وشعبية لدى المؤيدين فهي تريد القول “إنّه لا وجود للمحسوبيات” فهي لن تفعل كما فعلت حماتها حين سجن باسل الأسد الفارس محمد القصار لأنّ حصانه سبق حصان باسل وبقي معتقلاً في صيدنايا 25 عاماً، وحين ذهبت أمّه بعد مقتل باسل ترجو أنيسة أن تطلق سراح ابنها قالت لها: “خلي اللي اعتقله يطالعه”.
أسماء أرادت أن تقول في كلمتها: “شوفوا الفرق بيني وبين أنيسة” أيّ “شوفوني ما أحلاني!”. 
وعلى قول أسماء في خطابها “عن جد وين كنّا ووين صرنا؟”.
______________________

*روائية سورية

 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة