مقالات

ممدوح الولي يكتب: هل يتخلى المصريون عن الدولار؟!

نتائج ودائع البنوك عن شهر نوفمبر لم تسفر عن حدوث زيادة ملحوظ ، بل إن معدل الزيادة أقل من المستوى بالشهور السابقة، وتبين أن معظم من اكتتبوا بتلك الشهادات، سحبوا قيمتها من أوعية ادخارية خاصة بهم أقل عائدا. يتبع

ممدوح الولي*

راهن محافظ البنك المركزي المصري بقراره بخفض قيمة الجنيه بنسبة عالية، مصحوبا بزيادة الفائدة للأوعية الادخارية ، على إقبال حائزى الدولار واليورو على إيداعهما بالبنوك، حتى تزيد السيولة الدولارية بالبنوك، بما يزيد احتياطيات العملات الأجنبية، وبما يساعد المركزى على التدخل بالسوق للإجهاز على المضاربين، ووجود سعر صرف وحيد بالسوق يقوده البنك.

ويظل السؤال الجوهرى هل تنجح إجراءات المحافظ فى تحقيق ذلك التصو ؟

لقد بدأ المحافظ ممارسة مهامه قبل موعد تسلمه مهام منصبه، حين تم طرح شهادات ادخار بالجنيه بعائد 12.5 % فى نوفمبر، وهو ما يزيد بنسبة 205% عن عائد الشهادات وقتها، بهدف دفع حملة الدولار للتخلص منه ، والتحول للاستفادة من الفائدة المرتفعة على الجنيه .

لكن نتائج ودائع البنوك عن شهر نوفمبر لم تسفر عن حدوث زيادة ملحوظة ، بل إن معدل الزيادة أقل من المستوى بالشهور السابقة، وتبين أن معظم من اكتتبوا بتلك الشهادات، سحبوا قيمتها من أوعية ادخارية خاصة بهم أقل عائدا .

وكانت الخطوة الثانية في  نوفمبر أيضا ، بزيادة عائد شهادات الاستثمار (أ و ب)، ليصل  للمجموعة ” ب ” ذات العائد الدوري إلى 12.75% بزيادة 2% ، وبالفعل زادت أرصدتها ولكن على حساب الودائع المصرفية 
 ثم كان قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في ديسمبر، برفع العائد بنسبة نصف بالمائة ، وهو ما أدى  إلى رفع فائدة الودائع بالبنوك .

وتمثلت  الخطوة الرابعة فى إصدار البنوك العامة الثلاثة: الأهلى ومصر والقاهرة، شهادات دولارية خاصة بالمصريين بالخارج ، سميت شهادة بلادى الدولارية ذات عائد مرتفع بلغ 3.5% للشهادات مدة سنة ، و4.5 % للشهادات ذات الثلاث سنوات  و5.5 % لذات الخمس سنوات. وصرح مصدر مصرفى بأن مبيعات الشهادات محدودة ، مما أدى لامتناع قيادات البنوك عن التصريح بحصيلتها، ويبدو أن قلة فارق العائد بين عوائد الشهادات بالبنوك المصرية، والشهادة الجديدة كان من أسباب ضعف الإقبال .

وقد يضاف ضعف الثقة فى الحصول على قيمة الشهادة بنهاية مدتها بنفس العملة فى ضوء ما  سمعوه عن صعوبات بتحويل الأرباح لشركات أجنبية نافذة، وكذلك فشل تجربة شهادة المصرى الدولارية التى صدرت بعد ثورة يناير وجمعت 224 مليون دولار.

ويبدو أن شهادة بلادى قد سحبت البساط ، من الشهادات الدولارية الموجودة بالبنوك، مثلما حدث مع شهادات شهر نوفمبر ، فأسرعت البنوك الثلاثة  لرفع فائدة شهاداتها الدولارية بالداخل، ذات الثلاثة سنوات إلى 4.25 % ، وذات الخمس سنوات إلى 5.25% ، مع استحداث البنك الأهلى شهادة مدتها سبع سنوات بعائد 5.75 % .

وكانت الخطوة السادسة بعد يومين، بإصدار شهادة بلادي باليورو بالبنوك الثلاثة الحكومية، بعائد 2% للشهادات ذات العامين ، و3% لذات الثلاث سنوات و3.5 % لذات الخمس سنوات.

ومع خفض البنك المركزى الجنيه بنسبة 14.5% بالرابع عشر من مارس/آذار الحالى ، فقد أعلن عن إصدار البنوك الثلاثة شهادات بعائد 15 % ، مدتها ثلاث سنوات مقابل التنازل عن العملات الأجنبية أو العربية ، ثم كانت الخطوة الأخيرة برفع المركزى الفائدة 1.5% الخميس الماضى.

السعر خارج البنوك مازال أعلى
وهكذا شهد السوق ثمانى تحركات لزيادة الفائدة خلال خمسة أشهر ، مما  أظهر الارتباك وضعف التخطيط ، ويظل السؤال هل تفلح تلك الأوعية المتنوعة فى دفع حائزى الدولار على إيداعه بالبنوك العامة، أو التخلص منه للاستفادة من عائد يبلغ 15% على الجنيه مقابل التنازل عن العملات؟

بالطبع هناك من أصابهم قرار المركزى بالخفض الحاد للجنيه بالهلع ، فتخلصوا من الدولار ، خاصة أن سعره الرسمى اقترب كثيرا من سعره بالسوق السوداء، ولكن عددهم كان قليلا، ومازال التمسك بالدولار هو المهيمن على الحائزين؛ بدليل ضعف المعروض بشركات الصرافة، وغلبة البيع للدولار على المبالغ الصغيرة، وكذلك استمرار  الصرافة فى بيع الدولار بسعر يفوق السعر الرسمى ، رغم أربعة طروحات استثنائية بمبالغ ضخمة .

وتتعدد أسباب تمسك حائزى الدولار به ، ومنها معرفتهم بالعجز الموجود لدى الجهاز المصرفى بالعملات الأجنبية، والمستمر منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضى وحتى يناير حتى بلغ 3.5 مليار دولار ، رغم الحصول على قروض خارجية ، وأن الاحتياطي بالمركزي معظمه غير مملوك له، وأن كثرة عروضه مرتفعة العائد دليل على عمق المشكلة، ومعرفتهم بالصعوبات التى تواجه المركزي فى الاقتراض من الخارج ، ومتابعتهم لما يصدر عن بعض الجهات البحثية الخارجية، من توقع خفض جديد بسعر صرف الجنيه ، وإداركهم أن إجراءات البنك المركزى بالخفض أو الرفع لسعر الصرف  هى مجرد مسكنات لن تحل المشكلة الأصلية، وهى نقص الموارد عن الطلب على الدولار ،  وأن هناك صعوبات لزيادة حصيلة الصادرات أو السياحة أو قناة السويس ، أو الاستثمارات  الأجنبية  المباشرة بالأجل القصير .

وتظل المقارنة بين عائد الجنيه وعائد الدولار ماثلة فى أذهانهم، فمن احتفظ بالدولار من يناير/كانون الثاني الماضى وحتى منتصف الشهر الحالى ، حقق نموا فى قيمته بالجنيه بنسبة  24 % ، بخلاف الفائدة البنكية ، فى حالة إيداعه فى شكل شهادات دولارية لا تقل عن 4 % قبل رفعها مؤخرا  ، بينما مع الجنيه تحقق أقل من نصف تلك العوائد.
__________________________________

*خبير اقتصادي مصري

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة