صلاح سليمان يكتب: التسول السياحي في برلين!

صلاح سليمان*

 
فشل وزير السياحة المصري في استغلال بورصة برلين السياحية العالمية للترويج للسياحة في مصر، فالوزير وإدارته، والوفد المرافق له لم يكن لديهم أي خطة، أو رؤية سياحية كاملة، لتفعيلها من أجل جذب السياح الألمان ، إنما اقتصر دورهم على التسول السياحي، واستجداء واستعطاف السياح لزيارة مصر بطرق رخيصة لا تليق بمكانة مصر وثقلها السياحي.
كان وزير السياحة هشام زعزوع وفق ما جاء في الصحف، وذكرته جريدة ” اليوم السابع”  المصرية قد عرض خلال حفلة ” الليلة المصرية”  التي أقيمت على هامش المشاركة المصرية في بورصة برلين السياحية مجموعة من الصور لمصريين بسطاء يعملون بالمجال السياحي، تمثلت في صورة لشاب بائس يحمل تماثيل مقلدة وسلع سياحية بمنطقة الأهرامات، وصورة أخرى لصاحب عربة حنطور بالأقصر، ومن ثم علق الوزيرعلي الصور قائلاً للحاضرين: إن صاحب الحنطور أوقفه خلال زيارته للأقصر وقال له “يا وزير شايف الحصان دا.. وشايف ابنى.. قولي أجيب أكل لمين فيهم”، لافتا إلى أنه كوزير يتحمل مسئولية العاملين بالسياحة، وعندئذ توجه الوزير إلى الضيوف الألمان، وممثلي شركات السياحة داعياً إياهم إلى المساعدة في دفع الحركة السياحية إلى مصر.
لقد أثار ذلك الاستجداء والتوسل الجالية المصرية في ألمانيا، وشاركهم في الغضب عدد من المشاركين المصريين في بورصة برلين، واعتبروا ذلك إهانة للعاملين بالقطاع السياحي، ووصفوا تصرفات الوزير “بالتسول وابتزاز الألمان ” وطالبوا باستقالته فورا.
رئيس مجموعة ” الباتروس” السياحية المشارك في البورصة كامل أبو على قال:  إن الوزير فشل تماما في إدارة الأزمة التي يمر بها القطاع السياحي المتردي في مصر، بل  وأضر بسمعة السياحة المصرية في برلين، وعبر عن استيائه من الطريقة التي تم بها الترويج لمصر دولياً،  وأسلوب استجداء الألمان لزيارة مصر.
لم يستفد الوزير ولا الوفد المرافق له من الزخم الإعلامي الكبير في البورصة،  فهى تعتبر الأضخم سياحيا في العالم، فعدد الصحفيين الذين يقومون بتغطيتها يصلون إلى أكثر من  7200 صحفي منهم 1800 ينتمون إلى 94 بلد من خارج ألمانيا، هذا فضلاً عن عدد الزوار الذين يصلون إلى قرابة الربع مليون .
افتقد الجانب المصري مقومات المنافسة الحقيقية في البورصة،  واكتفى كعادته بتنظيم فقرات” الزفة المصرية ” كالرقص البلدي،  وارتداء الملابس الفرعونية،  وإقامة حفلات للعشاء، وتجنب جدية فتح ملف مشاكل السياحة المصرية،  فجاءت المشاركة باهته وضعيفة،  ولم تترك أي أثر أو انطباع يذكر، فالمخاوف الألمانية من زيارة مصر مازالت كبيرة وقائمة، من جهة أخرى فإن فقرة الرقص التي قدمتها إحدى فرق الفنون الشعبية في بورصة برلين، لاقت سخرية كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي !!.
 المستشار السياحي المصري في برلين، رأي في تصريحات له أن تنظيم حملة للدعاية الدولية لمصر سيصحح الصورة الذهنية، ويجذب السائحين لمصر من خلال وضع الملصقات على الحافلات العامة في كبرى الميادين بالعاصمة برلين والمدن الألمانية الكبرى.
 خطة ساذجة لا تلفت انتباه أحد،  فهناك مشكلات حقيقية هي التي تجعل السائح لا يفكر في زيارة مصر أو العودة لزيارتها مرة ثانية. فالسائح الألماني في حاجة إلى من يقنعه بالأمن والآمان في مصر، فأكثر ما يقلق أي سائح هو ما يصله عن حالات الانفلات الأمني وعدم الاستقرار السياسي في البلاد .
 أيضا لم تحاول الإدارة المصرية المشاركة في المهرجان السياحي الكبير الإجابة على أسئلة السياح المتعلقة بالظواهر والسلوكيات السلبية التي يقابلها السائح في المجتمع المصري، وهى عوامل تحد من أعداد السائحين، وتساعد في عزوفهم عن القيام بالزيارة وانخفاض نسبة الإشغال السياحي ، فالسياح يشتكون من ظاهرة التلوث، وعدم توافر عناصر النظافة العامة،  وتراكمات القمامة،  والمخلفات الصلبة بالمناطق الأثرية والسياحية،  فعلى سبيل المثال أمام مدخل نزلة السمان بمنطقة الأهرام تنبعث الروائح الكريهة من إسطبلات الخيول أو بالطرق المؤدية إليها.
هناك دراسة سياحية مصرية مهمة تشير إلى أن نظافة البيئة من العوامل الجاذبة للسياحة،  وأن المقومات البيئية تلعب دورا مهما عند اتخاذ السائح لقرار وجهته السياحية.
ظاهرة التحرش الجنسي بالسائحات أصبحت أحد الأسباب الرئيسية لتراجع السياحة الألمانية إلى مصر، وكانت شركة “تيوى” الألمانية في مارس 2014 قالت إنها ستخفض الرحلات لمصر بسبب التحرش الذي يعد في مصر أخطر من الانفلات السياسي والأمني، فهو يمثل خطرا كبيرا على الدخل القومى، فمع تكرار حوادث التحرش تهدد الدولة المتضررة بالطبع  بعدم إرسال سائحين مرة أخرى إلى مصر، بالإضافة إلى الصورة السلبية لصورة مصر السياحية .
السياحة المصرية مهمة جدا للاقتصاد المصري فهي تمثل 40% من إجمالي الناتج القومي،  متفوقة علي كل الفروع الاقتصادية الأخرى باستثناء قناة السويس، فكل واحد من بين كل سبعة مصريين يعملون في السياحة بشكل مباشر أو غير مباشر أي أن 26مليون شخص من إجمالي عدد سكان مصر الذين يصل عددهم إلى 90 مليون نسمة يعملون في السياحة أو في مجالات متعلقة بها،  لذلك فهي في حاجة إلى عقول فاهمة وخبراء حقيقيين، ولن ينصلح حالها بعدة ملصقات، أو حفلات رقص بلدي في المهرجانات العالمية بل بإيجاد حلول سريعة لمشاكل البلد السياسية والأمنية. 
إذن يجب علي وزارة السياحة وهي تتعامل مع السوق الألمانية أن تعرف أن الألمان هم ملوك السفر في العالم، وسوقهم رائجة،  فهم ينفقون أكثر من 63 مليار يورو على رحلاتهم إلى العديد من الأماكن السياحية الآمنة كل عام ..والدول الأمنة التي يزورها الألمان هي دول مثل إسبانيا،  تركيا، إيطاليا، لهذا إذا أرادت مصر أن تدخل النطاق الأمن في مفهوم السياحة الألماني عليها تحقيق الاستقرار السياسي، والأمني،  واحترام حقوق الإنسان، ووقف الاحتراب الداخلي .

___________________________

*كاتب مصري مقيم في ميونيخ
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة