سامية علي تكتب: حتى تنتقل السياحة من “خانة البقرة”!

سامية علي*

   سنغافورة؛ جزيره صغيره بآسيا، تبلغ مساحتها 719,1كم² ، لكنها مع ذلك دولة سياحية من الطراز الأول ، لأنها تبنت ببساطه المفاهيم السحرية للسياحة، وتبنت الفقه السياحي الحقيقي، وهى قواعد السياحة ، التي لا تتضمن أي منها أن سنغافورة تحتوي على ثلث أثار العالم، أو شواطيء رمليه ناعمة على إمتداد ألاف الكيلومترات، أو صيف صحي جاف ، معتدلاً شتاءً.
 سنغافورة تبنت المفهوم الأول العالمي للسياحة وعنوانه “السياحة ثقافة ” ولكي تضمن رواج ذلك المفهوم عن نفسها عالميا، روجت له بين أبنائها، وقد فهم المواطن السنغافوري جيداً أن السياحه سلعة، وخدمه ترفيهية، ومنتج ثقافي، ليس بحاجه لأثار و أهرامات، بقدر حاجته لوعي إنساني، قائم على التفاهم و الاحترام، فكما ترغب أنت بمنتج جيد و تجربة سياحيه مريحة ببلد أخر، يجب أن تقدم نفس الخدمة و الراحة ببلدك، وكما ترغب ببلد نظيف حين تزوره، يجب أن يكون بلدك نظيفاً أيضا حين يزوره غيرك. فلا أحد يرغب في زيارة بلد يتمتع بقدر لا يمكن تصوره من أكوام النفايات.
و”إياك” و التحايل أو الكذب أو النصب أو السرقة .. إياك “.
 ليس من المفترض أن نغش أو نسرق زوارنا، وهي فضيلة يجب أيضا أن يتحلى بها الإنسان بشكل عام، والعاملون بالسياحة بشكل خاص، حيث أن علاقتهم بالزوار هي أول علاقات السائحين بالوطن، بداية من طائرات الوطن مروراً بسائقي سيارات الأجرة، وصولا للباعة في المحلات أو الفنادق.
 ليس من المصداقية أو المهنية أن أعرض أسعاراً مبالغاً فيها نظراً لأن السائح أجنبي ويمكنه أن يدفع بالدولار، ذلك شأن لا يعنيني ولا يجب أن يعنيني.
 الأمر الحقيقي الذي يجب أن تكون عليه الأمور، هي المصداقية، والشفافية، فلكل سلعة ثمن محدد، للمواطن المصري وللأمريكي وللأوروبي وللآسيوي، تفاوت أسعار السلع بين الجنسيات المختلفة هو نوع مباشر من الغش و النصب، والدعاية الشفهية أقوى وأسرع الدعايات عبر التاريخ، ويكفي أن يكتب بوست أو تويته على حساب رقمي عبر الإنترنت حتى يدرك كل العالم أن تلك الدولة عبارة عن مجموعة من اللصوص، لا أكثر ولا أقل، دون الحاجه لمؤتمرات أو برامج أو حملات دعايه مكثفه تتكلف الملايين.
 نحن نعيش بعالم بحجم كرة كريستالية، وما تفعله أنت بإحدى جوانبها، ينتقل بسرعة الضوء للجانب الأخر، فحاول أن تنتبه وأنت تخاطب سكان الجانب الأخر، وحاول أن تقدم لهم سلوكا بشريا سويا، دعنا لا نطلق عليه خدمة أو سلعة، احترم الاخرين حتى يحترموك ويتكلموا عنك في بلادهم بشكل جيد ولائق ، اهتم بسلوكك الشخصي، ليكن شفافا ومتحضرا ومحترما، اهتم بسلوكك المهني ولا تأخذ ما ليس من حقك بالابتذاذ أو أن تغش، اهتم بمظهرك ونظافة شارعك وحيك وبلدك، تلك أمور صغيره تصنع فسيفساء هائلة تنتهي بصورة كامله عنك، ويجب أن تظهر الصوره في النهاية جيدة، لصالحك ولصالح تجارتك وسلعتك، ولصالح وطنك بالمقام الأول، فالأمور مرتبطة بعضها ببعض بشكل شرطي، كل شيء جيد يقود إلى شيء أخر جيد وكل شيء سييء يؤدي بالضروره إلى شييء أخر سييء، حتى تجد نفسك بحلقة مفرغة من السلبيات المفزعه، وتتساءل حينها، لماذا تفشل السياحه ؟!
 توقف مع نفسك قليلا وراجع السطور السابقة، وربما يمكن أن تكتشف بعض أسباب فشل السياحه لديك، التي أولها و أهمها أنك لم تتبنَ يوما مفهوم السياحه كثقافة، وكنت دوما تتعامل مع السياحه بمنطق الفلاح و البقرة، والسياحة ليست بقرة، السياحه ثقافه معقدة، وصناعه معقدة، يعكف على دراستها و تطورها خبراء متخصصون كل يوم، لأنك إن لم تكن تدري أو نسيت مصدرا لا ينضب، مصدر رزق وعمل وحياة، ويكفي أن تعرف أن صديقتنا سنغافورة التي ذكرناها بالخير بأول حديثنا، يبلغ عدد سكانها 5 ملايين ونصف مليون نسمة، في حين يزورها سنويا 10 ملايين سائح، نحن نتكلم هنا عن قلة عدد سكانها، تخيل ذلك ، ولو أن رقم عشرة ملايين ليس برقم ضخم ، فلك أن تعرف عدد زوار بلد كإسبانيا، وربما ذكر الرقم هنا يسبب صدمه للبعض، حيث إنه من المستحيل عمليا أن يزور بلد يبلغ تعداد سكانه 46 مليون نسمه نفس العدد من الزوار وأكثر، ولكن صدق أو لا تصدق، إسبانيا يزورها أكثر من أربعين مليون سائح سنوياـ لأنها فقط أدركت، أن السياحة سلوك، سلوك بشري إنساني متحضر.
وأسلوب حياة، وثقافة، أو يجب أن تكون ثقافة، ثقافة شعب، حتى تنتقل من خانة البقرة الحلوب، إلى خانة المصنع .

________________________________

*كاتبة مصرية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة