ابتسام تريسي تكتب: الداعيات في المناطق المحرّرة!

لم يعرف أحد وعلى مدى سنوات أنّ تلك الظاهرة هي شبكة تمثل طابوراً خامساً مرتبطاً بالمخابرات السورية كن يغبن أياماً عن بيوتهن بسبب سفرهن إلى مناطق بعيدة لحضور احتفالات يقمن خلالها بالدعوة والذكر، ولا يعرف أزواجهن عنهن شيئاً

ابتسام تريسي*

 
في نهاية الثمانينات من القرن الماضي وبعد أن قضى حافظ الأسد على حركة الإخوان المسلمين وأخرس الشعب الذي فكّر بأنّ الفرج قريب وبأنّه سيتخلص من حكم البعث وقائده ظهرت “موضة” الداعيات” وقد استطعن في مدّة زمنية قصيرة استقطاب أعداد ضخمة من الجامعيات من مختلف الكليات بالإضافة إلى المدرسات والموظفات، وغزت الداعيات البيوت من خلال مجالس العزاء والأفراح. فكن يقمن بقراءة “مولد” في العرس، ويرقصن على أنغام الأغاني التي غيّرن كلماتها إلى كلمات في حب الرسول ومدحه. أذكر جيداً في ذلك الوقت كانت هناك أغنية مشهورة للمطرب اللبناني الراحل عازار حبيب اسمها “صيدلي يا صيدلي” كن يرقصن على أنغامها بكلمات في حب الرسول!
الغريب في تلك الظاهرة أنّ معظم الداعيات كن نساءً عاديات لم يتجاوز تعليمهن المرحلة الابتدائية بينما “المريدات” كلّهن طالبات جامعيات يدرسن الطب والهندسة والآداب.
كل داعية كانت تتبع لشيخ تدرس على يديه وتنفذ تعليماته. في حلب كان الشيخ أديب حسون “والد مفتي الدولة أحمد حسون” أحد هؤلاء المشايخ الذين تأتمر الداعيات بأمره. وكان لديه “زاوية” في منطقة “أغيور” يدرّس فيها النساء يومين بالأسبوع الأحد والثلاثاء بعد العصر.
عندما تدخل الفتيات الزاوية يصطففن وراء بعضهن لدخول الغرفة التي يجلس الشيخ أديب في صدرها ويقبلن يده بالدور! وقد أشاعت الداعيات الكثير عن كرامات الشيخ أديب ومنها أنّه كان مصاباً بذات الرئة وأنّ الطبيب عمل له عملية من دون تخدير وأن نبضه وضغطه بقيا منتظمين أثناء العملية وأنّ ذلك بسبب مداومته على الذكر والإكثار منه.
الداعيات اللواتي يعملن مع الشيخ كن يغبن أياماً عن بيوتهن بسبب سفرهن إلى مناطق بعيدة لحضور احتفالات يقمن خلالها بالدعوة والذكر، ولا يعرف أزواجهن عنهن شيئاً بل كانوا يقصدون الشيخ لسؤاله عن مكان زوجاتهم ومتى يعدن إلى البيت!
وعلى خطى المشايخ كانت الداعيات يقمن أياماً عند العائلة التي يقصدنها “في الفرح والعزاء والمناسبات الأخرى” يأكلن ويشربن ويأمرن وينهين ويأخذن العطايا والهدايا ويبدين عدم رضاهن عن الخدمة!
لم يعرف أحد وعلى مدى سنوات أنّ تلك الظاهرة هي شبكة تمثل طابوراً خامساً مرتبطاً بالمخابرات السورية مع أنّه كان واضحاً عدم استطاعة هؤلاء العمل بهذا الشكل العلني والتحرّك بهذه السهولة بين المحافظات من غير أن يكون مشايخهن قد حصلوا على الضوء الأخضر من المخابرات أو أن يكونوا صنيعتهم. إذن عوّض حافظ الأسد بدهاء الشعب الغافل عن حركة واضحة تريد تغيير حكمه بحركة أخرى “إسلامية” الصبغة هي أداة من أدوات حكمه تأتمر بأمر مخابراته المرتبطة فعلياً بالمخابرات الروسية التي تعمل الآن على تفتيت الشعب السوري وحرق أرضه وحضارته وتدمير تاريخه.
يعاد الآن إنتاج هذه الظاهرة بثوب جديد تستخدمه أيدٍ مختلفة لكن المستفيد الأول منه الجهة نفسها المستفيدة من هذه الظاهرة في الثمانينات.
تتحرّك “الداعيات” في المناطق المحرّرة برفقة “مسلحين” يذكروننا بالمرافقة التي كانت تمشي مع رموز النظام السابق ورئيسه!
ما حاجة الداعية إلى مرافقة مسلحة حين تسير في الشارع وأمام المكان الذي “تدعو” فيه؟ وهل يحتاج الناس في المناطق المحررة لمن يعلّمهم أمور دينهم؟
الإشكالية لا تكمن في تعليم أمور الدين، بل في الطريقة التي يتم بها التعليم، الطريقة التكفيرية القائمة على احتقار الآخر والنظر إليه بفوقية، وليست تلك النظرة من الإسلام في شيء… الداعيات اللواتي يأخذن سلطتهن من فصائل تفرض إرادتها على المناطق المحررة بقوة السلاح لا يختلفن لا في شكلهن ولا فكرهن عن “القبيسيات” اللواتي ظهرن في دمشق “علناً” عام 2006 بعد أن كانت الجماعة محظورة! وسموا بالقبيسيات نسبة للمؤسسة منيرة القبيسي، وانتشرن في الخليج والعالم العربي ويعرفن في كل بلد باسم يتبع لمؤسسة الحركة فيه. فهن في لبنان “السحريات” نسبة لسحر حلبي، وفي الأردن “الطباعيات” نسبة لفادية الطباع.. وانتشرن بأمريكا وأستراليا. هذه الحركة التي كانت محظورة وسمح بها الأسد الابن واجتماعه بالقبيسيات بداية الثورة أكبر دليل على أنّهنّ صناعة مخابراتية أوجدها نظام أكبر من نظام مخابرات الأسد وأهدافها أبعد بكثير من تعليم أمور الدين للمتخلفين الجهلة الكفّار! من المعروف أنّ هذه المناطق كانت بؤرة للتخلف وتفريخ الإرهابيين قبل الثورة وطيلة حكم الأسد والتخلف والإرهاب بعرف النظام معادل لمصطلح “التشدد الديني” فكيف تحتاج الآن “لداعيات”؟
من الواضح أنّ يد المخابرات العالمية التي أوجدت داعش كمبرر للحرب على سوريا، أوجدت هذا النظام الدعوي النسائي لتخريب جوهر الإسلام وتعاليمه، وتحميله كلّ الرعب والترويع والبدع والخرافات، وسيطلق الروس يوماً عليهن مصطلح “الطابور الخامس” الذي أطلقوه عام 2014 على مؤيديهم في أوكرانيا بعد الاضطرابات التي حصلت فيها. فهنّ يقمن بهذا الدور الداعم للاحتلال سواء قصدن ذلك أم لم يقصدنه.

_______________________________

*روائية سورية 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه