مقالات

عزة مختار تكتب: قراءة في رسالة المسلم عند مالك بن نبي

إن الحضارة الغربية أفسدت كل شئ للحكم عليه بمقاييس “الكم” أما علي الجانب الآخر فكل شيء كان مقدسا، حتي لقمة الخبز الملقاة في الشارع كان المسلم ينحني ليضعها بجانب جدار.. يتبع.

عزة مختار*

قد يعجب البعض حين نتحدث عن دور المسلم في ذلك الوقت بالذات، وهو الوقت الذي يضع فيه كل طواغيت العالم أقدامهم فوق رقاب المسلمين، فكيف نتحدث عن رسالة من لا يدرك أنه إنسان كامل الأهلية له كافة حقوق البشر مثله في ذلك مثل الغرب،ي بل يفوقه بحكم القرآن، الموجود بين يديه منذ خمسة عشر قرنا من الزمان ولا يعرف اليوم كيف يطبقه أو كيف يقوم بتفعيله، بل لا يملك القدرة الكاملة علي استخدام منتجات الحضارة الغربية التي أحسن تكديسها وما هو في أحسن حالاته إلا سوق استهلاكية لها .

 ثم هو ذلك الإنسان من الدرجة الثالثة الذي  تنتهك مقدساته، ويقتل أبرياؤه وأطفاله ونساؤه بلا حقوق ترقي ولو في درجة الحيوان، ودماؤه مستباحة بغير ثمن، أليس أحرى بنا بدلا من الحديث عن دوره ورسالته أن نتحدث عن حقوقه كإنسان له حقه في الحياة والوجود والحرية ولقمة عيش نظيفة وحكام منتخبين باختياره؟ أليس حريا بنا أن نتحدث في مأساة التناحر الداخلي فيما بينه لنرفع أصواتنا صارخين مهيبين بالعالم الحر أن ينقذ ما تبقي من أحياء في دول ومدن إسلامية كاملة تكاد أن تتلاشي من الوجود تحت أسماعنا وأبصارنا من دون أن نحرك ساكنا إلا مصمصة شفاه لن تنقذهم من موت؟

والجواب علي هذا السؤال ندركه حين نقرأ المشهد العالمي الآن ونتأمله ونقرأ ما بين سطوره وبواطن واقعه لتتضح الصورة ونفقه ما يجب أن نكتب عنه وكيف نعالج مريضنا الذي يملك ما يحييه ويعرض عنه جاهلا بما فيه، الجواب سيتضح من خلال محاضرة المفكر الجزائري مالك بن نبي، تلك المحاضرة التي ألقاها في دمشق بسوريا في العام 1972 بعنوان  (دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين). ويبدأ  بن نبي بدور المسلم في نهاية القرن العشرين ليستقيه من الآية الكريمة “وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً” ولم يسترسل بن نبي هنا في مقتضيات “الشهادة” التي هي محور دور المسلم في الحياة وتركها للفقهاء والحقوقيين ليقوموا بتحديد شروط استحقاقها والتي أري من أهمها “الأهلية”  وهي تعني قدرة الشاهد علي فهم واقع ما يشهد عليه  “حضوره” ذلك الواقع أو شهوده، فلا تصح شهادة الغائب، ولا تصح شهادة الأحمق الذي لا يعي ولا يفهم. وعن أسباب اختياره لتلك الفترة تحديدا يقول مالك بن نبي إن هناك سببين لاختيار نهاية القرن العشرين وتحديد دور المسلم فيه:
السبب الأول: أنه قرن التغييرات الجذرية، بدت وكأنها ترسم للإنسانية نقطة الرجوع علي محور الزمن
السبب الثاني : طبيعية هذا القرن بأنه القرن الذي سجل الأحداث الكبري في مجال العلم وفي المجال النفسي والأخلاقي والديني وغيرت ملامح الحياة الإنسانية.
ورأيي أن مسار الأحداث لم تتغير كثيرا عن الفترة التي اختارها مالك بن نبي وبين تلك الحقبة الضيقة التي نعيش فيها اليوم، وما أشبه اليوم بالبارحة، فما زال الوضع لم يتغير وما زالت مراكز القوة والقرار والتفكير والحضارة والعلم في محور ( واشنطن ـ موسكو ) وهو واحد من محورين قسم “بن نبي” العالم علي أساسيهما، وسأعرض بعض سمات ذلك المحور “المهيمن” بناء علي ما يراه المفكر الجزائري حيث يري أن منابع تلك الحضارة  التي بلغت ذروة عطائها العلمي والمادي قد نضبت، وأن رصيد عطائها قد نفد وأنها بدأت بالفعل في عمليات بحث عن منابع أخري تعوض به ذلك الفقدان الإنساني. لقد نشأ الطفل الأوربي والأمريكي في نهاية القرن التاسع عشر في أجواء استعمارية، تكونت مفاهيمه علي أن الرجل الأبيض يملك العالم ومن حقه أن يضفي الألوان التي يريدها علي الخريطة الفارغة كما يشاء، فتلك البقعة الحمراء تابعة لأملاك المستعمرات الفرنسية، واللون الأخضر للمستعمرات الانجليزية وحين يري بقعة فارغة تتيح له رغبته المجردة أن يضيف تلك البقعة لممتلكات ملك بلجيكا ويقتطع الكونغو بكل بساطة لتكون “هدية للملك”. ينشأ الطفل الأوربي ليجد لافتة علي مدخل حديقة عامة في الصين مكتوب عليها “ممنوع دخول الكلاب والصينيين” بهذا الترتيب، فالكلاب في ترتيب الأهمية لديهم فاقت الآخر، والآخر هذا هو الأسود أو الأصفر أو أي لون آخر غير الأوربي الأبيض. هذا الطفل الذي كان يتشرب آيات البطولة في مجاهل أفريقيا في القضاء علي البرابرة والبهائم والجهلاء، وهذا الطفل هو الرجل الذي حكم أوربا وتحكم بمصير العالم في تلك الحقبة وأشعل الحروب ووجه القنبلة الذرية لتقتل الآلاف بدم بارد، هذه النفوس قد بلغت ذروتها في العطاء الذاتي ولم تعد تملك ما تعطيه لشعوبها حتى ولو علي الجانب الأدبي بالوجودية وغيرها، وحين يفقد الإنسان منبعا يستمد منه ذلك التوازن اللازم لحياته بين الروح والمادة أو بين السماء الأرض فإنه يفلس تماما من أي رغبة في الاستمرار، ولتتضح الفكرة أكثر فلننظر إلي ما يسمي بالدول الاسكندنافية اليوم، وهي أكثر بلاد العالم راحة وتطورا وغني، كل وسائل ضمان السعادة الإنسانية متوفرة ، فهو علي رأس العالم  ماديا لكنه كذلك علي رأس قائمة العالم في الانتحار.

 وكما يقول مالك “إن البطون إذا امتلأت لا تغني النفوس ولا تشبعها” إنه يفضل الاستقالة من الحياة علي أن يكملها بنصف إنسان، وإن لم يملك القدرة علي تنفيذ ذلك “الهروب” من واقع المؤلم ، فإنه يستخدم هروبا آخر في المخدرات والتدني الأخلاقي الذي وصل لأحط صوره والتعدي علي الآخر ليفقد المجتمع الأمن الذي يبقيه وترتفع نسب القتل يوما بعد يوم وتسقط البيوت ويضيع النسب ويحجم الناس عن التناسل لعدم رغبتهم في تحمل المسؤوليات، وتتحلل المجتمعات من الداخل تحللا ذاتيا، ماذا يعني كل ذلك؟ يقول “بن نبي”:  يبدو لنا أن المجتمع الأمريكي مثلا يعاني ظاهرة تضخم من ناحية، وتناقص من ناحية أخري، تضخم الإمكان الحضاري ، وتناقص الإرادة الحضارية. وللتوضيح أكثر فإن الهوة بدأت تتسع، والإنسان أصبح يتمزق ـ خاصة الشباب ـ بين فكرة لا يستطيع التخلص منها تماما لأنها مسجلة في طينته البشرية، تلك الطينة التي كرمها الله، وبين واقع ثقافي لا يقدم له مسوغات ولا يعطيه بديلا عن مسوغاته الطبيعية المفقودة.
يري مالك أن هذه التجربة الإنسانية أخفقت ويجب أن تفسح مجالا لتجربة أخري ليقول قولته الشهيرة “إن التاريخ يجب أن ينتهي في نقطة ما، كي يتجدد من نقطة جديدة” إن كل الأسباب اليوم تأخذنا تجاه الآية الكريمة “هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ”  تلك الآية التي أنزلت في بداية الدعوة حين كان الإسلام مطاردا في طرقات مكة، حيث أكبر إمبراطوريتين تحكمان العالم: فارس والروم ، حيث كانت تمثل تلك الآية جنونا لغير المؤمنين، كيف بدين يتخفي أهله في دار الأرقم يبلغ الآفاق ليهيمن علي الدين كله، وزالت كل القوي وبقي الإسلام ، وها هي التجارب الإنسانية تفشل، وتنفذ كل محاولاتها في إرواء احتياجها النفسي لتصب في مصلحة تلك الآية الكريمة، وهنا تتاح للمسلم الفرصة لأداء دوره المؤجل علي محور (طنجة ـ جاكرتا) محور الإسلام ، فكيف نتصور دور المسلم:
يقول مالك :” نتصوره طبقا لضرورات داخلية وضرورات خارجية، ضرورات إنشاء وتشييد في الداخل ، وضرورات اتصال وإشعاع في الخارج”.
هذا الاتصال بالطبع يقتضي التبليغ إذ هو الوسيلة الوحيدة لنشر الإسلام وهذا منطقي ، لكن الواقع الحالي للمسلم هل يبلغ به القدرة علي هذا التبليغ ؟ هل يستطيع أن يحقق شروط هذا العطاء، أو علي حد قول “بن نبي” هل يستطيع الماء الجاري في مجري أسفل أرض عطشي أن يقوم بريها، أم أن عليه أن يكون أعلي من تلك الأرض وأكثر فيضا من مستواها حتي يبلغ الماء وجهته والغرض منه؟ إن وضع المسلم اليوم في حقيقته هو ذلك المجري السفلي الذي لا يستطيع أن يفيض بمائه علي أرص تعلوه بحال من الأحوال، إنها سنة الله أن الماء ينحدر من أعلي إلي أسفل وليس العكس، إن علي المسلم أن يرتفع بما لديه من فيض يروي به عطش الإنسانية إلي المستوي الحضاري اللازم ليكون في مستوي أعلي بما يؤهله للعطاء الذي يملكه ليضمن السعادة والهدي للإنسان، إن العالم فقد قداسة كل شئ، لم يعد لديه مقدس بعدما أفقدته حضارة العشرين قداسته، والقداسة لله وحده ولن ينالها الإنسان إلا إذا ارتبط بالله الواحد الأحد وهذا لا يملكه إلا المسلم بالدين الذي يحمله، إن العالم يحتاج لتلك القداسة كي يبقي وكي يستمر وليس ذلك عند أحد إلا المسلم الذي يجب عليه أن يرقي لدرجة العطاء والهيمنة والهدي ليتم مهمة الشهادة ويكون جديرا بها
إن الحضارة الغربية أفسدت كل شئ للحكم عليه بمقاييس  الكم”  أما علي الجانب الآخر فكل شيء كان مقدسا، حتي لقمة الخبز الملقاة في الشارع كان المسلم ينحني ليلقيها بجانب جدار كي لا تدوسها أقدام المارة تقديسا لها، كان الإنسان مقدسا لانتمائه لصانع الوجود ذاته أما الأوربي الذي يقدر كل شئ بثمنه لا يهمه تلك الأشياء البسيطة فيلقيها في سلة المهملات، ومع تلك البقايا ألقي بكل القيم المقدسة والي تذكره بضعفه الإنساني واحتياجه لمكمل سماوي ، وهنا يصف ” بن نبي ” حال الأمة المنوط بها تغيير ذلك بأنها تمر بحالة “أزمة حضارية ”  وأسميها أنا حالة “انفصال” تام عن واقعها ومنهجها نتج عنها أزمات في كل مقومات الحياة لتصير في ذيل الأمم
يقول “مالك” : إننا نعاني أزمتنا وتعاني الإنسانية أزمتها، لكنهم في حالة أخطر وأعمق بكثير من أزمة العالم الإسلامي فعلي الأقل يبقي لدينا نوع من التكريم السماوي للإنسان أما هناك ففقدت حتي تلك الإنسانية ، إن الإنسانية بشطريها المتحضر والمتخلف تعاني أزمات خطيرة وهنا تتلخص رسالة المسلم في كلمة بسيطة “إنقاذ نفسه وإنقاذ الآخرين” ومن يتضاحك الآن ويسخر كيف بالمسلم الذي يقتل في كل مكان علي وجه الأرض أن يحمل رسالة ؟ فعليه أن يجيب عن سؤال أكثر أهمية: كيف بمسلم في بطحاء مكة، تلك النقطة الصغيرة علي خريطة العالم آنذاك، استطاع أن يخترق جدران الجبال المحيطة بمكة بإنقاذ العالم وتنفيذ تعاليم دينهم بروح لم تشهدها الإنسانية من قبل؟ كيف بأمة أمية تأتي من عمق الصحراء لتتبني إنقاذ العالم وبناء أعظم حضارة متوازنة عرفها التاريخ؟ إنه الإسلام، تلك القوة التي جعلته يستصغر تلك المنتجات الحضارية المادية ويفقد انبهاره بها، إن علي المسلم مهمتين أساسيتين هما: الاقتناع والإقناع ، اقتناعه برسالته وبقدرته علي القيام بتلك الرسالة ، إن العالم اليوم منقسم اقتصاديا لغني وفقر ، واستعمار وقابل للاستعمار المعسكر الأول يمثله محور ( واشنطن ـ موسكو ) والمعسكر الثاني يمثله محور (طنجة ـ جاكرتا)  وهنا تكون مهمة المسلمة مضاعفة بتملك كل أسباب التغيير الداخلي، فالله “لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم”. إن أمام المسلم ثلاثة تحديات يجب اجتيازها أو ثلاثة شروط عليه تحقيقها:
1 ـ أن يعرف نفسه .
2 ـ أن يعرف الآخرين بغير تعال.
3 ـ أن يعرف الآخرين بنفسه وبما يملكه لهم .
ورأيي أن الرجل الأبيض الذي ما زال يفكر بالعقلية الاستعمارية نفسها قد أدرك تلك الحقيقة جيدا، واستبق المسلمين بخطوة محاولة القضاء عليهم وبأيديهم قبل أن يفطن المسلم لحقيقة دوره وحقيقة العالم من حوله، فنجد اليوم الأرض مشتعلة والضحية مسلم في كل الأحوال، لتتضاعف المهمة ويكون علي المسلمين أن يعلنوا الثورة علي واقعهم للتخلص من الاستبداد القائم أولا، سواء كان استبدادا داخليا أو استعمارا خارجيا، ليحرر ذاته ويحقق شروط الشهادة لتستقيم الأرض وتضمن بقاء العنصر الإنساني في هذا الكون .

__________________

*كاتبة مصرية
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة