محمد منير يكتب: الدولة عميقة الفساد

محمد منير*

قرار الإجهاز على صناعة الدواجن في مصر والمغلف بقرار إعفاء الدواجن المستوردة من الجمارك لتخفيض أسعارها على المستهلك، ليس مجرد قرار جانبه الصواب، فتراجعت عنه الحكومة على طريقة اللص الذى تم ضبطه متلبسا، فألقى بسرقته وتراجع متحينا فرصة أخرى، وليس مجرد قرار فاسد لصالح حفنة من المستفيدين، بل إنه حلقة من حلقات الفساد العميق في مصر، والذى تقوده دولة الفساد العميقة طوال عشرات السنوات الماضية تحت دعاوى وشعارات حماية الاقتصاد والصناعة والتجارة والمواطنين، وكلها ادعاءات جوفاء خالية من المحتوى.

هذه الحلقات سبقتها حلقات شديدة التشابه معها. في 28 سبتمبر 1970 مات الرئيس جمال عبد الناصر، وبموته بدأت مرحلة جديدة في الاقتصاد المصري مرحلة يغلب عليها التبعية والارتباط بالنظام العالمي، ربما يفسر بعض الناصريين الأمر بارتباطه بوطنية عبد الناصر وانحراف السادات، والحقيقة الأمر مرتبط أكثر بمرحلة جديدة في النظام العالمي، ربما انخرط فيها عبد الناصر نفسه بقدر ما لو قدرت له الحياة.. هذه المرحلة أخذت خطواتها العميقة تحت دعاوى الانفتاح الاقتصادي والتخلص من الحكم الشمولي، والحقيقة أن المناخ السياسي في مصر كان يتسم منذ بداية الدولة الحديثة بالفساد الذى اختلط بالتوجه العالمي الجديد وهيمنة الدول الكبرى، ليخلق حالة غير مسبوقة من الفساد العميق بأسلوب واحد لم يتغير حتى الآن.

الخصخصة وبيع أصول الدولة في عمليات شابها الفساد في التسعينيات بدأت في النصف الثاني للسبعينيات وبنفس الدعاية حول الرفاهية والانحياز للطبقات الشعبية وبنفس الأدوات الفاسدة من المتربحين من قطاع الأعمال وبنفس الإعلاميين ورجال الأعمال الفاسدين الذين احترفوا التضليل والتبرير للفساد، وانهار الاقتصاد وزادت البلاد فقرًا وفسادًا.

في عام 2009 أعلنت الحكومة المصرية فجأة أن مصر منطقة موبوءة بإنفلونزا الطيور. وبصرف النظر عن دقة المعلومة من عدمها إلا أن تعامل الحكومة مع الأزمة كان تعاملا فاسدا أضر بالثروة الداجنة ، وأضر بالغ الضرر بمصالح صغار المنتجين، وشرد الآلاف من العاملين في صناعة الدواجن، وذلك لحساب 50 مستورداً ومنتجاً فقط يملكون آنذاك أكبر شركات الدواجن في مصر، وهم الذين يتحكمون في الكميات المنتجة وفى الأسعار.
ومن هؤلاء شخصيات على علاقة بدوائر اتخاذ القرار السياسي في مصر ومن أصحاب الأنشطة السياسية وأعضاء في لجنة السياسات والحزب الوطني الحاكم، وهو ما يفسر عدم إلحاق أي ضرر بالنشاط الداجن لهؤلاء نتيجة قرارات إعدام الدواجن آنذاك مثلما حدث مع صغار المربين، فلسبب غير معروف وصلت معلومات لـ50 المحتكرين عن نية الدولة اتخاذ تدابير تجاه صناعة الدواجن، وبنفس الطريقة التي حدثت الأيام الماضية حول تحذير كبار المستوردين من قرارات تعويم الجنيه، وتسهيل حصولهم على اعتمادات للاستيراد بسعر القديم للدولار!

في عام 2009 تخلص كبار المنتجين من رصيدهم الإستراتيجي من الدواجن قبل إعلان وجود فيروس إنفلونزا الطيور بأيام، وهو ما يمكن تفسير تأجيل الحكومة الإعلان عن وجود الفيروس لعدة أسابيع وربما شهور.
وإلى جانب الحماية التي كفلتها الدوائر السياسية في مصر لكبار المنتجين، والذى يشكل البعض منهم جزءاً من هذه الدوائر، فقد وجد كبار المربيين الفرصة سانحة للتخلص من صغار المنتجين، والذين كانوا كثيراً ما يمثلون لهم عقبة في التحكم في الأسعار وفى الكميات المتداولة في السوق.
هى مدرسة واحدة للدولة عميقة الفساد، والتي لم تنته بعد، وحتى التراجع في قرار إعفاء الدواجن من الجمارك وبما يشكله من ضرر عن صناعة الدواجن المحلية أعتقد أنه تراجع تكتيكي تمهيدًا للانقضاض بحلقة ثانية من الفساد.
_______________________

*كاتب وصحفي مصري

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة