مقالات

ابتسام تريسي تكتب: مراسلون في سوريا

ابتسام تريسي*
لن يكون عمّار البكور آخر صحفي شهيد في سوريا.. فمنذ بداية الثورة وحتّى الآن فقدت سوريا خيرة شبابها الإعلاميين "صحفيين ومصورين ومراسلين" ولا يمضي شهر من دون أن تتكلّل مواقع التواصل الاجتماعي ببروفايلات سوداء وأخرى تحمل صورة إعلامي أو صحفي أو مصور استشهد في المعتقلات تحت التعذيب أو في الميادين القتالية وهو ينقل الصورة أو غيلة بمفخخات وضعتها القوى الظلامية، أو اختفى من الوجود على أيدي داعش والفصائل المسلحة الأخرى. بدءاً بباسل الخطيب الشاب الذي ترك دراسته في الولايات المتحدة وعاد إلى حمص ليصور ما يجري واستشهد هناك ومنع النظام السوري أهله من إقامة مجلس عزاء له، والذي مازال الكثيرون يضعون صوره على صفحاتهم، مروراً بعبود حداد الذي اختفى منذ سنوات على أيدي داعش بعد أن صوّر الكثير من المعارك، وأيضاً فريق قناة الأورينت الذي اختطفته الفصائل المسلحة بحلب ولم يعلم أحد عنه شيئاً..
وقد سجلت المنظمات الحقوقية استشهاد ثلاثة وستين صحفياً وناشطاً إعلاميا عام 2015، ووثّقها المركز السوري للحرية الصحفية التابع لرابطة الصحفيين السوريين. قتل تنظيم الدولة عددا منهم وقام الطيران الروسي بقتل ثلاثة، وقيّدت ثلاثة اغتيالات ضد مجهول! وقتل نظام الأسد الباقي.
وقد كان لكل المدن السورية الثائرة نصيب في الفقد والحزن، من مارع بريف حلب التي فقدت همام النجار بتفجير انتحاري لتنظيم الدولة، راح ضحيته صاحب الابتسامة الجميلة كما يصفه زملاؤه..
إلى درعا حيث قتَل قناص في حي المنشية محمد الأصفر مراسل الجزيرة فلحق بإخوته وأبيه الشهيد، وقتل محمد المسالمة الملقب "محب حوران" بأيدٍ مجهولة.. إلى حماة حيث اعتقلت قوات الأسد الصحفي ورسّام الكاريكاتير أكرم رسلان من مقر عمله في صحيفة الفداء وحوّل إلى دمشق وقتل في أقبية التعذيب في معتقلات الأسد بعد أن قضى ثلاثة أعوام في المعتقل.. وقد نال وهو في المعتقل جائزة الشبكة الدولية لحقوق رسامي الكاريكاتير "كرني" وقال جويل بيت، رئيس الشبكة، في بيان بهذا الشأن "كرني يعطي أكرم رسلان جائزة الشجاعة السنوية في الرسوم الكاريكاتورية تقديرًا لشجاعة استثنائية له في مواجهة قوى العنف عبر رسومه، لقد حاول قول الحقيقة فقط".
إلى إدلب حيث قضى الإعلامي وسيم العدل بقصف الطيران الروسي على قرى جبل الزاوية، وقد وثّق وسيم استشهاده بالكاميرا التي كان يحملها ويصوّر فيها الغارة الروسية..
إلى حمص حيث قضى محمد اللوز أثناء تغطيته للمعارك الدائرة في الريف. وقضى زكريا إبراهيم مصور قناة الجزيرة برصاص قناص بعد غيبوبة دامت ستة أيام.
ولم يقتصر استشهاد الإعلاميين على الداخل السوري بل تجاوزه إلى تركيا حيث وجد في مدينة أورفا ابن الرقة إبراهيم عبد القادر مع صديقه مقطوعي الرأس، وقتل في مدينة غازي عنتاب الإعلامي ناجي الجرف ابن مدينة "السلمية" وهو عائد بالطعام لأولاده بمسدس كاتم للصوت.. وكان يرأس تحرير مجلة "حنطة" وأبرز أفلامه الوثائقية "داعش في حلب".
الملفت للنظر أنّ هناك أسماء كثيرة بين هؤلاء فاجأتني واكتشفت أنّي لم أسمع بها قبل أن تصبح أيقونة على صفحات الفيس بوك، وكثيراً ما جلّلني شعور بالتقصير وإحساس بالذنب لأنّي لم أكن أعلم عن هذا الإنسان الجميل المعطاء شيئاً إلا بعد موته!
لكن الذي لفت نظري أكثر أنّ كل أصدقائي قاموا بتغيير صورهم الشخصية وكتبوا المراثي والشعر والمديح اللانهائي للشهيد وجعلوا منه بطلاً استثنائياً.. ليس استغرابي من كون الشهيد بطلا استثنائيا ويتحلّى بكل هذه الصفات الرائعة، جاء استغرابي من أصدقائي الأحياء الذين كانوا يعرفون هذا الشخص ولم يمدحوه في حياته ولم يقدموه للآخرين، وحزّ في نفسي السؤال "لماذا نذكر محاسن الأموات فقط؟ لماذا لا نذكر الأحياء الذين يستطيعون قراءة ما نكتب ويعلمون أن تعبهم لا يذهب أدراج الرياح وأنّهم يضعون أرواحهم على أكفهم من أجل أناس يستحقون التضحية؟ لماذا يضن الأحياء أمثالنا بالكلمة على من هم مثلهم أحياء ويجودون بها على الأموات الذي لا يسمعون ولا يرون ولا يعرفون شيئاً عمّا يجري بعد غيابهم؟
كل هذه التساؤلات هاجمتني بعد قراءتي خبر استشهاد الصحفي عمّار البكور في قصف النظام على الدانا يوم الأحد /6/ 11 / 2016/ وفوجئت أنّي لا أعرف عمّار ولم أسمع به من قبل، وحين بحثت عنه علمت أنّه كان يعيش ضمن وضع مادي سيء، وأنّه لم يطلب دعماً من أحد ولم تتكفّل بمعيشته المنظمات الإنسانية لأنّه عاش عفيف النفس لم يبح لأحد بما يعانيه!
حسناً يا أصدقاء العالم الافتراضي الذين تتدّعون صداقته أين كنتم عندما كان على قيد الحياة؟ لماذا لم أقرأ اسمه على صفحة أحدكم إلا بعد استشهاده؟
اليوم الثلاثاء 8 نوفمبر 2016، قليل من الأمل بفوز هادي العبد الله بجائزة مراسلون بلا حدود..
اليوم صور هادي التي شاركها الأصدقاء ولم ينسوا صديقه الشهيد خالد العيسى الذي استهدف مع هادي بمفخخة أمام بيتهما بحلب ونجا هادي بأعجوبة.. هادي الذي صوّر معارك حمص وتحرير إدلب، هادي الذي يتواجد في كل بلد حر في سوريا.. وحّد قلوب السوريين ومنشوراتهم وأعطاني جرعة أمل بأن نذكر محاسن الأحياء قبل أن نفقدهم.
____________________

*كاتبة وروائية سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة