طه خليفة يكتب: المتطرفون الجدد!

العالم يتجه ليقع بين تطرف في شماله، وتطرف في جنوبه، تطرف جماعات وحركات وتنظيمات وأحزاب، وتطرف أنظمة وقادة ورؤساء. يتبع

طه خليفة*

يأتي عام جديد 2017 محمّلا بمخاوف وهواجس من القادم الذي قد يتفوق في مآسيه على ما شهده العام الذي ستُطوى صفحته بعد أيام قلائل من مآسي وكوارث ومجازر.

كوكب الأرض لم يعد آمنا، يخلو من الاستقرار، يتبدد الأمل، يضيع الحلم في سلام يعم دوله، ومحبة تجمع بين شعوبه حتى في أكثر مناطقه تمتعا بالتقدم ورفع شعارات الإنسانية.

في الغرب الممتد من أوربا إلى الضفة الأخرى في الولايات المتحدة، نجد تطرفا سياسيا يصعد في هذا المجال الجغرافي الحضاري، ونجد عنفا وافدا عليه، أو منطلقا من داخله يضرب في المناطق الرخوة فيه.

 التطرف الأول، وهو مجال هذا المقال، والذي لا يقل خطورة عن التطرف الشرق أوسطي، مصدره جماعات اليمين المتشدد، والحركات الشعبوية والقومية، وهم يعيدون التذكير بالنسخة القديمة من التطرف نفسه: قومي، ونازي، وفاشي، الذي قاد القارة العجوز والعالم إلى حربين عالميتين مدمرتين.

 المتطرفون الجدد الخارجون من مراقد التاريخ والألم في هذا العالم الذي يصنع الحضارة ويمتلك النفوذ والقدرة على التأثير في مصير البشرية تجمعهم كراهية الآخر المختلف عنهم قيما وثقافة ودينا، وتدفعهم الرغبة في الانعزال، بل وتقوقع كل بلد على ذاته، فالبريطانيون مثلا قدموا تجربة عملية في الميل للعزلة، عندما قرروا الخروج من الاتحاد الأوربي الذي صار مهددا، والتحذيرات تتوالى من إمكانية تفتته.

التطرف الجديد الصاعد يقود سياسات بلدانه إلى مزيد من الانغلاق وليس الانفتاح، والتشدد وليس التسامح، والأنانية وليس مد الأيادي، والكراهية تعميهم عن قيمة المحبة حتى بمنطق المبدأ الذي يؤمنون به في المسيحية، وتسيطر عليهم عنصرية مُستعادة من زمن مضى شكلا، لكنها جوهرا ما زالت مختزنة في الذاكرة وتُترجم اليوم في سلوكيات عملية، وهم مندفعون إلى التعصب لكل ما هو وطني وقومي بديلا عن التشارك الإنساني الواسع مع بني البشر.

الشعبويون في ألمانيا

من يتابع ألمانيا، سيرصد نجاحا للشعبويين في دفع المستشارة أنجيلا ميركل لتغيير سياساتها بتجفيف تعاطفها مع محنة اللاجئين، وقد صارت تتخذ إجراءات قاسية ضدهم في محاولة لإنقاذ نفسها وحزبها سياسيا وانتخابيا أمام زحفهم على مراكز السلطة، وفي بلغاريا والمجر والنمسا وفرنسا وبريطانيا ومختلف دول الاتحاد نجد رفضا للاجئين ونفورا منهم وغلق الأبواب في وجوههم وعدم تقدير الظروف اللإنسانية التي وجد هؤلاء أنفسهم فيها بسبب الصراعات والحروب في بلدانهم، ويتحمل الغرب قسطا من المسؤولية عنها.
مخاطر صعود هذه الحالة المتطرفة لمراكز الحكم بجانب تكريسها للأنانية المقيتة فإنها في نفس الوقت لا تلتفت لقيمة العدالة الدولية، ولا نشر السلام، ولا إنصاف المظلومين والمسحوقين، فهم لا يعبأون بقيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان كثيرا في النظر للعالم البعيد عنهم، بل يتساهلون أكثر مع اللجوء للقمع والقوة وغض البصر عما تفعله أنظمة القهر خصوصا في الشرق الأوسط.
أمريكا قائدة العالم الغربي، أو العالم الحر كما يُوصف، ستبدأ العام الجديد مع رئيس قادم من عمق معمل أفكار اليمين المحافظ ، والعالم مازال يترقب ما سيفعله هذا الرجل به، ليس هناك تفاؤل كبير بقدومه، وهو لا يفوت حتى اليوم أي فرصة إلا ويكشف عن مزيد من مخزون التطرف لديه سواء في اختياراته لأركان إدارته من صقور الجمهوريين، أو في تعيينات كبار موظفيه وسفرائه في عواصم بعينها أبرزها إسرائيل أو في تصريحاته وتغريداته، وهى كلها إجراءات تعكس حالة رئيس ممسك بعصا غليظة وينتظر يوم العشرين من يناير حيث يجلس لأول مرة في المكتب البيضاوي ليبدأ العقاب، وسيبدأ بالأمم المتحدة حسب التغريدة التي أطلقها عقب موافقة مجلس الأمن على مشروع قرار يدين الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث توعدها بنوع جديد ومختلف من التعامل معها؛ وكأن تمرير إدارة أوباما للقرار بالامتناع عن التصويت عليه يعني أن الميزان الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية قد اعتدل فجأة، الموضوع كله محاولة من أوباما للتجّمل قبل مغادرته الرئاسة، ونوع من الانتقام من رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو الذي تمادى في إهانة أوباما رغم استسلامه له وتقديمه مؤخرا مساعدات غير مسبوقة تبلغ  38 مليار دولار خلال عشر سنوات

الفتوة الأمريكي
لغة ترامب بهذا الشكل عن منظمة دولية مرتهنة للخمسة الكبار في مجلس الأمن وتصريحاته منذ ظهر على الساحة تقول إننا أمام شخص سيمارس مسؤوليات الحكم بمنطق الفتوة أكثر منه بمنطق الرئيس الباحث عن إقرار الحق والعدل والسلام كقائد لقوة عظمى نافذة في العالم، وأمامه على الجانب الآخر في الشرق نجد النموذج المقابل في الفتونة وهو الرئيس الروسي بوتين الذي يستخدم عصا القوة الباطشة منزوعة الأخلاق في التدمير والسحق لكل من يعتبرهم خصوما كما يفعل في سوريا.
ومنطق القوة المتطرفة يسود الأرض منذ بدء الخليقة إلا قليلا، وهو نهج كل  الإمبراطوريات والقوى والدول التي تحكمت في مصير العالم قديما وحديثا، وسطرت التاريخ ببحور هائلة من الدماء، ومازال هذا النهج مستمرا عبر القوى المسيطرة اليوم وعلى رأسها أمريكا وروسيا اللتان تستبيحان التدخل والقتل دون وازع من قانون أو أخلاق، ومن أسف أن البلدان الضعيفة تمارس أيضا القوة المنفلتة في صراعاتها مع بعضها البعض، وتفعل الأنظمة الأمر ذاته مع شعوبها، والنموذج السوري بالغ الدلالة.
أفغانستان مثلا كانت حقل تجارب خصب للاتحاد السوفيتي في ممارسة هذا النوع من القوة، ومن المفارقة أن تكون نهايته في هذا البلد، وأمريكا فعلت الأمر نفسه في أفغانستان أيضا، وزادت عليه العراق، وحال البلدين يغني اليوم عن أي حديث فلم يستقرا ولم يتقدما خطوة واحدة للأمام بل صارا منبتا لليأس والتطرف، والعراق أفرخ إرهابا طائفيا ومذهبيا لم يكن موجودا فيه حتى تحت حكم صدام، وروسيا باستخدامها سياسية الإبادة وتسوية المدن بالأرض والقتل العشوائي للمدنيين في سوريا لا تدفع باتجاه السلام أبدا، وهى تروج لحل سياسي يتمثل جوهره جلب جماعات المعارضة مثل أسرى مربوطين بالسلاسل للجلوس على المائدة وإملاء شكل الحل والشروط عليهم وجعل الطاغية منتصرا ومستمرا، وتلك وصفة مثالية لمزيد من الإذلال واليأس والتطرف.
وعندما يخرج ترامب مهاجما قرار مجلس الأمن بإدانة الاستيطان وهو عمل غير شرعي ويتبعه أركان إدارته الجديدة على نفس النهج فإن تلك رسالة تطرف مقيتة تدفع الطرف الفلسطيني إلى التيقن بأن الأمل يتلاشى في حل عادل مع كل إدارة أمريكية جديدة وأن قضية المقاومة رغم تكاليفها الباهظة هى الخيار الوحيد، ماذا حقق السلام والتفاوض بعد أوسلو حتى اليوم؟، لا شيء، بل المزيد من التنكيل والاعتداءات والتهويد وحتى نتائج الديمقراطية لم يقبل بها الغرب، بل يعاقب الفلسطينيين عليها عبر حصار ظالم لقطاع غزة

وفي أوربا.
التطرف يزدهر في أوربا فتياراته تصعد وتحقق مكاسب انتخابية في شتى بلدانه وشعبياته تتسع وأحزابه وجماعاته تقوى، في النمسا كاد يصل للرئاسة، ما يعني أن شوكته تشتد وسيجني الحصاد في انتخابات برلمانية ومحلية، وفي فرنسا يتجه ليكون منافسا قويا في الرئاسة عبر مارين لوبان مرشحة الجبهة الوطنية، وحتى مرشح ” الحزب الجمهوري” فرنسوا فيون فقد تم وصفه من منافسه آلان جوبيه خلال الانتخابات التمهيدية لليمين بأنه قادم من العصور الوسطى تعبيرا عن تشدده، وهو مقرب جدا من بوتين، ومع بقاء الأسد، وأفكاره في السياسة الخارجية متطابقة مع ترامب، وفي ألمانيا فإن الحزب الشعبوي المتطرف “البديل من أجل ألمانيا” اكتسح انتخابات المحليات والتوقعات تتزايد بدخوله البرلمان في سبتمبر القادم، وهكذا في هولندا والدنمارك وبريطانيا ومختلف بلدان أوروبا يبرز الشعبويين كقوة جديدة تهدد الأحزاب التقليدية وقد تنحرف بالقارة لانتكاسة وتجرفها إلى الأجواء التي تسببت في حربين عالميتين مدمرتين.
مساحة التفاؤل تتراجع، ومخزون القلق يتزايد في العام الجديد، خصوصا عندما يكون التطرف مصدره العالم المتقدم، وليس الشرق الأوسط فقط، ذلك العالم الذي نعتبره النموذج في الدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والوقوف بجانب الشعوب المغلوب على أمرها تحت حكم المستبدين الذين يجدون اليوم مناخا عالميا مواتيا لبقائهم على عروشهم مطمئنين يمارسون القمع كما يشاؤون.
العالم يتجه ليقع بين تطرف في شماله، وتطرف في جنوبه، تطرف جماعات وحركات وتنظيمات وأحزاب، وتطرف أنظمة وقادة ورؤساء، وانفلات كل غرائز القوة، وخيارات السحق والقتل، لتكون سنوات هذا القرن ومنذ بدأ موحشة ومفزعة.

______________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة