محمد عبد الشكور يكتب: تحية للجهاز الحارق الخارق!

لو استمر هذا الوضع كثيرا فمن كل قلبي أرفع القبعة والتحية لهذا الجهاز وأعلن آسفي له لاعتقادي القديم أنه لا يوجد جهاز ناجح في مصر ، فقد أثبت لي بالدليل الذى ترك أثاره على أقفيتنا جميعًا

محمد عبد الشكور*

تعالوا معي ننظر لنصف الكوب الملآن
منذ يوم 25 يناير 2011 ونحن نتهم جميع أجهزة الدولة بالفشل ، ولا يوجد بها جهاز يعمل بكفاءة وأنه تم خداعنا. والحقيقة غير ذلك فهناك جهاز كبير يجب على كل من له ذرة عقل أن يرفع له القبعة ، هذا الجهاز بلا شك يجب أن نتباهى به فعلا أمام العالم ، استطاع هذا الجهاز منذ 25 يناير وحتى اليوم أن يدير البلاد كما أراد ، ووضع السيناريو الكامل لنجاح الثورة أو فشلها، وفى قمة الجهاز كان هناك من رأى ضرورة تمرير هذه المظاهرات وجعلها ثورة ، وهى إن بدت ثورة ولكن نتيجتها كانت للأسف نتيجة مظاهرة لأصحاب المعاشات ، فلا نظام رحل ولا تغيرت وجوه ، كل ما هنالك أن أدوارًا تغيرت ، حيث تمت صناعة رموز وأبطال لمرحلة ما بعد يناير.

كما قلت هذا الجهاز الناجح استطاع من أول يوم أن يدق الأسافين بين رفقاء الميدان ، وجعلهم يتصارعون على لا شيء ، وصنع رموزا على عينه ، بل أنه تنازل عن أشياء وهو في قرارة نفسه يعلم أنه يرمى الطعم حتى يصطاد من السمك ما يملأ به قاربه.  جعل الثوار يتصارعون على كعكة الوطن ، في نفس الوقت الذى استطاع  في  أقل من أسبوع أن يستعيد سيطرته على مفاصل الدولة كلها، من معه ومن ضده، الثوري والمدجن. قام بنسف كل أدلة تورط رموز مبارك في قضايا القتل والفساد، وقام بمساعدة الكبار على تصريف أموالهم ، بل سمح بالمليارات أن تخرج تحت عينه وبرعايته، ثم بعد أن انفرط منه عقد الإعلام لمدة أسبوع، أعاد بكل سهولة إنتاج قنوات وصحف ومذيعين وإعلاميين تربوا في أحضانه وتحت بصره ، ثم بسرعة كبيرة استدار على الثوار وصنع لبعض رموزهم ” سيديهات “، وأدلة اتهام  وضعها في الأدراج إلى حين ، ثم كان لابد من استعادة دولته بسرعة وكان الهدف هو شيطنة تيار بعينه لينقض عليه ، فتم البدء بالتيار السلفي وكانت حججه موجودة ،  فهم لم يشاركوا في الثورة،  وكانوا ضد الخروج على الحاكم ، ولا دراية لهم بالسياسة ، كانوا بالنسبة له هدية ولقطة من السماء ، خاصة وقد صنع منهم رموزا على عينه لاستخدامهم وقت الحاجة ، وقد تركهم يصولون ويجولون في المساجد وتم الزج بهم فى الفضائيات ليثيروا حفيظة الناس بكلامهم الغريب وآرائهم التي جعلت الناس تخشى منهم ومن التيار الإسلامي كله ، فجاءت فتاوى هدم أبو الهول وتغطية التماثيل .

شيطنة الإخوان
بعد شيطنة هذا التيار ، كان هناك تيار كبير في العدد والتنظيم ويفهم فى السياسة هو المقصود بعينه وكان لا بد من القضاء عليه ، وتم إدارة المعركة بذكاء شديد ، فاللعب مع الإخوان يحتاج لذكاء مضاعف وهذا ما فعله هذا الجهاز حيث سمح لهم بالترقي والصعود لقمة الجبل ، ثم جاء من الخلف من قام بقذفهم إلى القاع بكل سهولة ، حيث انطلقت حملات التخوين والضرب في الجماعة قادها رموز هذا الجهاز وبعض كارهي الجماعة إيديولوجيا وفكريا ، وبعض كارهي التيار الإسلامي عموما ، وبعض رموز الأحزاب الورقية التي تعرف حجمها الفعلي في الشارع ، وبعض أخطاء الجماعة. تم الأمر كما رسمه هذا الجهاز مرورا  بالاستفتاء ونعم ولا ، وبمحمد محمود 1 ومحمد محمود 2 ، وبلع الجميع الطعم حتى جاءت نتيجة انتخابات مجلسي الشعب والشورى لصالح الإخوان لتقول كل التيارات لهذه الجماعة هذا فراق بيننا وبينكم.

ليضحك قائد هذا الجهاز بسخرية فقد حقق ما أراد ، حتى قام في 30 يونيه بمشاركة جميع التيارات بمن فيهم التيار السلفي المصطنع لكى يكون هو الشوكة في حلق التيارات الإسلامية كلها،  تركها يؤلم ونزعها يؤلم ، المهم قام هذا الجهاز بصناعة ثورة شارك فيها الكثير بحسن نية مفرطة ، وخدع بها البعض ، ولكن كان هناك من يعرف لماذا خرج ويعرف الأهداف جيدا من كارهي التيار الإسلامي والأحزاب الورقية والرموز التي صنعها كما قلنا من قبل هذا الجهاز على عينه.

ما جرى بعد ذلك الكل يعلمه وقد يكون كثيرون قد فهموا اللعبة ولكن يبقى هناك من يكابر، وهناك من يكره ، أما المكابر فمن السهل عودته على الأقل لن يقف في طريق الحق بعد أن عرفه ، أما الكاره فلا علاج له فهو كالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

كل ما أطلبه منك هو أن تنظر كيف نجح هذا الجهاز في إعادة ما صنعه من قبل مع نفس الأشخاص ونفس التيارات ، لنقع في نفس الفخ وكأن خمسة سنوات لم تعلمنا ، وكأن آلاف القتلى وآلاف المصابين والجرحى  وآلاف المعتقلين لم يعلمونا بعد كيف تم التلاعب بِنَا ، لنردد نفس الكلمات ونفس التهم بالتخوين التي قلناها منذ خمس سنوات وأوردتنا مورد التهلكة وما زلنا نجتر هزيمتنا بعد أن نجح هذا الجهاز في الركوب على ثورتنا من خلالنا وبموافقتنا وبرضانا.
كلمة أخيرة : لو استمر هذا الوضع كثيرا فمن كل قلبي أرفع القبعة والتحية لهذا الجهاز وأعلن أسفي له لاعتقادي القديم أنه لا يوجد جهاز ناجح في مصر ، فقد أثبت لي بالدليل الذى ترك أثاره على أقفيتنا جميعًا أنه من أنجح الأجهزة في العالم وليس فى مصر فقط .

_____________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه