سامية علي تكتب: يحدث في برلين

تخيل أن يملك كل بلد عربي نصب او شاهد أو معلم بسيط يحرض على القراءة كهذا؛ ربما أبسط الأمور أنفعها، ربما رؤية إسم كاتبك المفضل على مرأى منك تدفعك أكثر لقراءة أعماله

سامية علي*

في برلين؛ بألمانيا، ينتصب برج عجيب ، ربما يعد أحد أشهر معالم برلين غير المعروفه للعالم ، حيث يتكون ذلك البناء أو النصب إن شئنا الدقة، من مجموعه ضخمه من نماذج الكتب، تتخذ جميعها لونًا فضيًا واحدًا محفورًا على كعوبها أسماء أدباء ألمانيا العظماء، عمالقة الأدب والتنوير بدءا من عميد الأدب الألماني ” جوته ”  وإنتهائا بغونتر غراس .

للنصب الرائع هذا دلالات ثقافيه وروحية وحضارية عديدة، فحين تتجسد أسماء الأدباء الكبار على بناء ضخم فخم ينتصب بأحد أهم ميادين مدينتك، فتلك إطلالة لا تفوتك، حين تغدو أو تروح، إطلاله تعرض لك بفخر تاريخك الأدبي الحافل بالأدباء الموهوبين العظماء ، الذين أثروا ثقافتك وثقافة العالم بمعين لا ينضب من الحب، والفلسفة، والثقافة، والمتعة والحكمة.

برلين؛ مدينه متحضرة تحرص على التحضر  وتسعى دوما لترسيخ قواعد ثقافيه راسخه هامة، من ضمنها أن الأدب ليس ترفًا، وليس بالضرورة أن يسكن بين رفوف المكتبات، وأنه ليس قاصرًا على المثقفين و الخاصة، فالأدب للجميع، ويمكنهم أن يطالعوا رموزه دائمًا، بالنظر إلى هذا البناء الذي يمثل عنوانًا لبلد يجل أدباءه!
إن تحويل ساحة أحد الميادين إلى قبلة ثقافية؛ حتى لو بمعنى رمزي كبناء بسيط يجسد مجموعة من الكتب، هو أحد أجمل أبسط الأفكار التي يمكن أن يحظى بها المجتمع، أي مجتمع، خاصة مجتمع متحضر متقدم يحرض ويحض على القراءة كالمجتمع الألماني، وقدوة جيدة لمجتمعات أخرى للحذو حذوه، حيث لا يوجد مجتمع يخلو من أدباء عظام، يمكن تخليد ذكراهم بمبنى بسيط في مكان عام .

إن القراءة عمليه اعتياد، وليست سلوكاً فطريًا، بل هي عاده مكتسبة، وأفضل الطرق لاكتساب تلك العادة هو الحض أو التحريض عليها، وتوجيه الآخرين نحوها، لتذكيرهم بها وبأهميتها وقيمتها ومتعتها، وقيمة من يقومون بها وعليها، خاصة الأدباء الموهوبون المشهورون. أنت لن تجد بيتا على الأغلب بشأن العالم لا يحمل كتاب بين جدرانه، فما بالك ببيوت تلتقي كل صباح بتنبيهات من نوعية النصب أو الشواهد أو المكتبات.

تربية عادات القراءه عمليه معقدة ومبدعة وممتعة، وكل فكرة نحو هذا الهدف، مهما بدت بساطتها أو غرابتها، هي فكره جيدة وجديدة وعبقرية.

تخيل أن يملك كل بلد عربي نصب أو شاهد أو معلم بسيط يحرض على القراءة كهذا؛ ربما أبسط الأمور أنفعها، ربما رؤية اسم كاتبك المفضل على مرأى منك تدفعك أكثر لقراءة أعماله، أو البدايه بقراءة أعمال كتاب أخرين، أو ترشيح روايات روائي لصديق.

 الأفكار البسيطه منجم للتوجهات العميقة، ورب معلم أثر أكثر من إنسان، والعادات تتولد بالإلحاح أو الوجود المستمر، ومكان رائع كمكتبة كبيرة أو برج فضي على هيئة كتب تحمل أسماء أدباء، خير تواجد لعادة القراءة .
____________________________

*كاتبة مصرية

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه