عبد الحافظ الصاوي يكتب: فاتورة ترامب الاقتصادية!

في ظل توقعنا بتبني ترمب سياسة استمرار الحروب والنزاعات داخل المنطقة العربية، فبلا شك سترتفع معدلات الفقر بشكل كبير على ما هي عليه. يتبع

عبد الحافظ الصاوي*

تتوالى الأحداث الكبرى في المحيط الإقليمي والدولي، لتؤكد على حقيقة مرة، وهي غياب الوحدة الاقتصادية العربية، ومع منتصف يناير 2017 سيتولى الرئيس اليميني ترامب رئاسة أمريكا، وقد قدم الرجل لنفسه خلال حملته الانتخابية، بأنه سيشاطر العرب ثروتهم النفطية، وأن ما يعنيه في المنطقة هو أن تدفع المنطقة فاتورة أي درجة من درجات الحماية التي تقدمها لها أمريكا.

وشأن العديد من الأزمات التي مرت بها اقتصادات المنطقة، لم تتداع تلك الاقتصاديات لترتيب أوضاعها لمواجهة تحدي عهد ترامب، بل على الصعيد القطري، لم نر خططا معلنا عنها بشأن استثمارات بعد الدول العربية النفطية التي تمتلك صناديق سيادية في أمريكا والغرب تقدر قيمتها بنحو 2.6 تريليون دولار.

كان للعرب قمة اقتصادية تُعقد في إطار أعمال جامعة الدول العربية،  والتي انطلقت منذ عام 2009، وكان يفترض أن تعقد كل عامين، ولكنها توقفت في عام 2013، دون أن تستكمل انعقادها بسبب انفراط عقد العمل العربي المشترك، وحسب الترتيب الدوري الزمني، فالمفترض أن تشهد الأيام الأولى لعام 2017 انعقاد هذه القمة.

ويستحق أمر ترتيب الأوضاع الاقتصادية للمنطقة لمواجهة خطة ترامب أن يحتل الأولوية الأولى على أجندة هذه القمة، ولكن هل تمتلك الدول العربية أو جامعة الدول العربية الشجاعة لكي تتبنى الدعوة لانعقاد قمة معنية بهذا الموضوع؟ أو أن تتبنى خطابًا جماعيًا يعبر عن مصالحها ويحافظ على مقدراتها وثرواتها الاقتصادية؟

فاتورة ترامب الاقتصادية
   يدفع العرب فواتير اقتصادية تجاه السياسة الأمريكية بشكل دائم، سواء كان في منصب الرئاسة ممثلًا للجمهوريين أو الديمقراطيين، ولكن الواقع يشرح طبيعة هذه الفواتير واختلاف طريقة دفعها بين الحزبين الكبيرين بأمريكا، ففي عهد الجمهوريين تدفع الفاتورة في شكل تكلفة حروب سواء كانت هذه الحروب بالوكالة، أو بشكل مباشر في داخل المنطقة العربية.

وخير دليل على ذلك أن بوش الأب قاد حرب الخليج الثانية 1990 والتي سيطرت فيها أمريكا على منابع النفط بشكل كامل، وتمكن أسطولها البحري من الوجود بشكل دائم في المياه الإقليمية بالمنطقة، فضلًا عن التمكن من إنشاء مجموعة من القواعد العسكرية بدول منطقة الخليج، وفرض طوق العقوبات الاقتصادية على العراق.
وكذلك فعل بوش الأبن في عام 2003 في حرب احتلال العراق، حيث تكبدت المنطقة فاتورة اقتصادية مكلفة، تمثلت في انهيار اقتصاد العراق، وتعرض عوائده النفطية للتبديد والفساد، وتحول البلد المكتفي غذائيًا إلى مستورد صاف للغذاء، كما فقد جزءًا كبيرًا من موارده البشرية بشكل عام، ومن علمائه بشكل خاص.

وتعرضت المنطقة العربية بعد احتلال العراق، لهدم بنيتها الاقتصادية، وإن كانت الفترة التي تلت ذلك اتسمت بارتفاع أسعار النفط، ولكنه ارتفاع عاد بالنفع على الاقتصاديات الأوربية من خلال شركاتها التي حظيت بعقود إعادة الإعمار، أو بنوكها التي استوعبت المدخرات العربية، أو أسواق مالها التي منيت فيها الاستثمارات العربية بخسائر ضخمة، قدرها البعض بنحو نصف تريليون دولار إبان الأزمة المالية العالمية في عام 2008، لتبدد الموارد النفطية العربية على مدار عقد من الزمن.

وإن كان الجمهوريون يعتمدون على إدخال المنطقة في حروب مباشرة، فإن الديمقراطيون اعتمدوا على الاستفادة من استقطاب رؤوس الأموال النفطية العربية، ولم يمنعهم ذلك هذه المرة من ممارسة نفس آلية الجمهوريين، حيث يودع الرئيس الأمريكي أوباما البيت الأبيض بعد ما يزيد عن شهر من الآن، والمنطقة تستعر بنيران الحروب، سواء الداخلية في ليبيا والعراق، أو في اليمن بمشاركة سعودية خليجية، وكذلك مشاركة إيرانية في كل من اليمن وسوريا.

وفواتير العرب التي تُدفع لأمريكا في ظل الحرب، تتمثل في تكلفة الحصول على الأسلحة من الشركات الأمريكية، وحسب البيانات المنشورة من قبل منظمة الشفافية الدولية عن تقديرات تكلفة شراء الأسلحة، فإن ما أنفقته 17 دولة بمنطقة الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا بلغ 135 مليار دولار في عام 2014، وهو ما يمثل نسبة 5.1% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول، وأتت المملكة العربية السعودية كأكبر دولة من حيث الإنفاق من بين هذه الدول.
ولا نحسب أن ترمب الجمهوري سوف يتخلى عن نفس السياسة التي اتبعها الديمقراطي أوباما تجاه اقتصادات المنطقة، حيث ستستمر الحروب الداخلية أو البينية بالمنطقة العربية بالمنطقة، والتي تشارك فيها إيران بشكل مباشر في سوريا واليمن، بهدف استنزاف ثروات المنطقة النفطية، وأن تتحول هذه الاقتصادات خلال ولاية ترمب الأولى إلى دون تعاني من عجز شديد بموازناتها العامة، وكذلك ارتفاع نصيبها من الديون المحلية والخارجية، وهي مستهدفات، تحققت بوادرها مع حلول عام 2015 و2016، ويتوقع أن تتفاقم هذه الظواهر السلبية في عهد ترمب.

إفقار المنطقة
في ظل توقعنا بتبني ترمب سياسة استمرار الحروب والنزاعات داخل المنطقة العربية، فبلا شك سترتفع معدلات الفقر بشكل كبير على ما هي عليه، كما ستقفز معدلات البطالة لتتجاوز 30%، وستكون عمليات الهجرة غير الشرعية على أشدها خلال السنوات القادمة، بسبب تراجع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن تعرض الدول التي تشهد حروبًا داخلية أو بينية مجاعات، وأن تكثر بها المناطق المنكوبة إنسانيًا، ولعل واقع اليمين يبرهن على تحقيق هذا السيناريو.
السطور السابقة ليست من قبيل التشاؤم أو الدعوة إليه، ولكنها تستهدف أن تفيق منطقتنا العربية حكامًا وشعوبًا لمواجهة ما يخطط لها. 
_________________________

*خبير اقتصادي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة