عز الدين عبده يكتب: سوريا ومصر القضية واحدة

إن التأخير في عملية الإنقاذ سينتج كارثة بشرية مروعة ستظل محفورة في أذهان أبناء حلب وسوريا بل أبناء المنطقة جميعا.. يتبع.

عزالدين عبده*
ما من وصمة عار لحقت بجبين الأمة كالتي تلحق بها منذ أن بدأ الجيش الروسي بتنفيذ أبشع جرائم الإبادة الإنسانية  ضد الشعب السوري.
حجم التناقضات في توازنات القوى الكبرى في العالم ومواقفها مما يجري في حلب كشف زيف الإدعاء بأن الأمم المتحدة ترعى أو تحمي حقوق الإنسان في العالم، فهي لا تحمي إلا حقوق الغربي المسيحي أما العربي أو المسلم فلا ناصر له إلا الله ، وهو كافيه.
تنتفض مؤسسات حقوق الحيوان حول العالم لتصل إلى أعتى البقع إجراما على وجه الأرض لتحمي قطة من نوع نادر أو أسد من سلالة باتت وشيكة الانقراض، أما أن ينتفض العالم لنجدة الأبرياء من العرب والمسلمين الذين يذبحون بدم بارد على مرأى ومسمع منه، فهذا هو المستحيل بعينه.
حتى شعبنا العربي أصبح فرقًا منفصلة عن الواقع، فريق تحكمه ديكتاتوريات عاتية مستبدة بشعوبها ، تسخر في مساندة النظام السوري كل ما تملك وتغيب شعوبها بإعلام كاذب مزيِف للحقائق ومن يحاول الاستفاقة يجد البندقية فوق رأسه.
وفريق آخر تتحكم فيه التخمة والشبع فلا مجال للتضحية من أجل هؤلاء القابعين في الجغرافيا البعيدة، اللهم إلا بقليل من تبرعات لا تنقذ حيا من تحت الأنقاض.
وفريق ثالث عاد الاستبداد ليحكمه من جديد في ثوب الراعي الرسمي للديمقراطية، لا يقدر على تغييب الشعب بشكل كامل كما يفعل غيره، لكن يحاول، وشعبه يستجيب.
ملت شعوبنا من ثوراتها حتى أنها باتت لا تفكر في تنظيم التظاهرات كما كانت تفعل في السابق، فكل شعب يرى نفسه جديرا بأن يخرج الآخرون من أجله. ومازال الكل ينتظر!
(1)
ما أحقر هذه النظم التي قتلت فينا نخوتنا وأخمدت فينا حماسة الانتفاض من أجل إخوة لنا، وشغلتنا بهمومنا وجوعت بطوننا فلا بتنا ننشغل بشقيق أو عزيز ولا بتنا حتى نملك مساحة من الدعاء في صلاتنا. الكل مشغول بنفسه وبلقمة عيشه وبالدعاء لنفسه، فمتى نستفيق من كبوتنا وتزاح غمتنا؟ لا أدري.
تتوقف حركة الزمن، في حلب، حيث لم يعد هناك مجال للحديث عن موت الفجأة، فالكل يعرف متى سيموت وكيف سيقضي نحبه، بات السوريون يختارون أماكن موتهم لعل إن نجا أحدهم يجد من يسعفه.
ما أبشع أن يرى الإنسان منا أهوال الموت من حوله وهو يرى دوره يقترب ثم يقترب، ثم يمر الدور عليه ويحصد غيره، ولا مغيث من بني البشر.
أين الجيوش العربية؟ وأين سلاحها الذي أنفقت عليه المليارات في الصفقات المعلنة والسرية على مدى عقود مضت؟ أم إنها أتت للحماية الشخصية أو لقتل الشعوب فقط !
(2)
استشعرت روسيا أن جزءاً من أسلحتها أصبح قديما وفكرت في الخلاص منه، وصنعت جديداً وفكرت أن تجربه فلم تجد إلا الجسد السوري لتجرب فيه نفايات أسلحتها القديمة ومدى قوة الأسلحة الجديدة، ونحن في موقع المشاهد لا أكثر وكأننا أمام فيلم أكشن ننتظر النهاية لنرى البطل يعلن انتصاره على الضحية
متى ينتفض شعبنا العربي؟ ومتى يجبر حكامه على نجدة الأشقاء؟ ومتى ينتزع قراره لنفسه من أيدي الدمى التي تحركها أمريكا وإسرائيل؟
متى يقوم كل منا بدوره ويخدم قضيته العادلة ويواجه بها كل من حوله ويستأسد لها وبها ويستشعر العزة بالوقوف تحت مظلتها؟
في مصر يفعل السيسي بالمصريين ما لا يقل بشاعة عما يفعله بشار بالسوريين سوى بنسبة قليلة، فهذا يبيد شعبه بقتله وهذا يقتل شعبه تارة بتفجير وتارة بقتل النخوة فيه وزرع كل بذور الفتنة الطائفية بين أبنائه.
بين مصر وسوريا، القضية واحدة والشعب واحد والمأساة واحدة وإن اختلفت بعض تفاصيل القصة. ولأننا جميعاً في صفوف الثورة المصرية مكبلون عن نجدة أهلنا في سوريا وفي حلب خاصة، ولأننا مسؤولون عن مؤازرة كل شعوبنا العربية إيماناً بأننا جميعاً جسد واحد وشعب واحد، وإن كنا لا نملك لهم إلا الدعاء والمساندة في كل محفل ، فقد اجتمعت عدد من نخبة مصر الرافضين للإنقلاب، في الخارج، وأصدروا بيانا يندد بما يجري في حلب، محاولة منا أن نشاطر أهلنا مآساتهم وأن نواسيهم في مصيبتهم .
(3)
هذه خلاصته  ” أنقذوا أهل حلب. يؤكد الموقعون على هذا البيان تضامنهم مع الأشقاء في مدينة حلب الذين يبادون على يد نظام الأسد ومن يؤيدونه.
ونؤكد أن ما يحدث في حلب جريمة إبادة إنسانية يشير إلى زيف التعامل الدولي من البعض وازدواج المعايير لدى بعض القوى الدولية في التعامل مع الشعوب المظلومة من أنظمة القهر. كما أنه يفضح كذلك صمت الحكومات والعواصم الكبرى تجاه هذه الجرائم البشعة المتكررة، والتي أصبح أكثر ضحاياها من النساء والأطفال والمسنين .
وكما أن الموقعين على هذا البيان يجتمعون على رفض العنف وقتل الأبرياء في مصر، فإنهم كذلك يرفضونه ضد المدنيين في حلب وسوريا.
لقد عانى العالم من فظائع وويلات المذابح ضد المدنيين طوال العقود الماضية، ولم يتحرك العالم لوقفها في حينها، والأن تتكرر في حلب وستتكرر غدا في أماكن أخرى وسوف يعاني العالم اجمع من تبعات تنامي خطاب العنف والكراهية الذي يستغل هذه المآسى الإنسانية.
إن سكوتنا على هذه المآسي الإنسانية هو أكبر داعم للخطاب اليميني المتطرف الذي يجتاح العالم حاليا.
إن التأخير في عملية الإنقاذ سينتج كارثة بشرية مروعة ستظل محفورة في أذهان أبناء حلب وسوريا بل أبناء المنطقة جميعا، وقد يسهم ذلك في زيادة طوابير الهجرة والنزوح الجماعي وزيادة بؤر التطرف والإرهاب الذي تطال ناره الجميع”.
يا أهل حلب سامحونا، فحكامنا مثل حكامكم يقتلونا.

_____________________

*كاتب وصحفي مصري
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه