مقالات

طه خليفة يكتب: عار أوباما

فليخرج أوباما من الحكم تطارده لعنات دماء الضحايا، وعار التخاذل، أما وحوش وبرابرة وسفاحي العصر فالتاريخ سيضعهم في أشد صفحاته قتامة وسوادا

طه خليفة*
"نتابع بقلق المراحل الأخيرة لما سيُعرف في التاريخ بمعركة حلب"، هكذا يقول ستفيان دي مستورا مبعوث الأمم المتحدة لسوريا الذي حقق مثل سابقه الأخضر الإبراهيمي فشلا ذريعا في التوصل لأي حل يمنع حمامات الدماء، وحرب الإبادة المتواصلة منذ ست سنوات.
وليس دي مستورا وحده هو الذي فشل، فتلك الصفة – الفشل الكامل – ستلازم المجتمع الدولي كله، وعلى رأسه ما يُسمى بأصدقاء الشعب السوري، وخصوصا الإدارة الأمريكية.
بل نلقي بالنصيب الكبير في الفشل الذريع عن الحل في سوريا عسكريا أو سياسيا على عاتق أوباما أول رئيس أسود في تاريخ أمريكا بما كان يمثله من رمزية المعاناة التاريخية لفئات وشعوب كثيرة، وأنه سيكون الأكثر شعورا بمعنى المعاناة والظلم في هذا العالم، هو الرئيس الذي تفاءل الجميع به خيرا في أن يكون ميزان القوة الأمريكي مقرونا بالعدالة باعتدال في التعامل مع قضايا العالم الخارجي، ومناطقه الساخنة في الشرق الأوسط حيث فلسطين المحتلة، وفي إصلاح ما أفسده سلفه بوش الابن في العراق، وأفغانستان، وفي الدفاع عن حق الشعوب المقهورة التي تقمعها أنظمة مستبدة يُفتح لها باب البيت الأبيض ويتم التغافل عن سجلها الأسود في الانتهاكات والقمع ووأد أشواق الديمقراطية، مختلف مناطق الكرة الأرضية كانت تتوسم خيرا في أوباما، حتى أكاديمية نوبل تطلعت إلى عالم جديد معه ومنحته جائزتها للسلام في عامه الأول في الحكم 2009، وهذا طبيعي، فهو يقود بلدا نافذا ومؤثرا في كل ركن من الأرض، وهو جاء بعد رئيس كان ألعوبة في أيدي تيار التطرف اليميني في الحزب الجمهوري المعروف بتيار المحافظين الجدد الذي ملأ الشرق الأوسط نارا ودماء، لكن أوباما أصاب كل المتفائلين به بالإحباط، فقد أخفق في القضايا الدولية ، من أوكرانيا إلى أفغانستان والعراق وسوريا، كما أخفق في دعم وحماية الديمقراطيات الناشئة بعد الربيع العربي، فكما كان مشاهدا فقط للثورات، فإنه لم يسع للاستفادة حتى من ذلك المناخ الجديد الذي لا فضل لبلاده فيه ليقوم بدور أخلاقي وسياسي لصيانة بذرة الديمقراطية، فقد بقي مشاهدا أيضا للربيع وهو ينكسر في بلدانه، ثم يعود إلى الترحيب بمنظومة استبداد جديدة قديمة، لكن موقفه في سوريا تحديدا هو أكبر إدانة ووصمة عار له وللمجتمع الدولي بسبب الدماء الغزيرة التي تسيل، والدمار الهائل الذي يتعرض له هذا البلد، والعجز غير المفهوم عن الحل، أو التواطؤ الذي لا يقل جريمة عن جريمة القتل اليومي في سوريا.
جنون القتل
النظام السوري هو الأشد ديكتاتورية ودموية ضمن الأنظمة العربية ذات النظام الجمهوري في الحكم، وهو الوحيد الذي نجح في تمرير سيناريو التوريث إلى الأسد الابن خلال خمس دقائق فقط فور وفاة الأسد الأب، وإذا كان الأب قد ارتكب مجزرة مشهودة في حماة عام 1982 لم يرتكب مثلها نظام عربي شبيه به، فإن الابن فاق الأب في جنون القتل، هناك على الأقل 250 ألف قتيل سوري، أكبر ثورة مكلفة في التاريخ، تتضاءل إلى جوارها تضحيات الشعب الإيراني في ثورته عام 1979، والمدان بشدة أن إيران الثورة تشارك في قمع سوريا الثورة، وهى ضالعة في تلك المجزرة منذ يومها الأول، وروسيا التي تدعي الديمقراطية، لا تلتزم بالديمقراطية، ولا بحق الشعوب في التحرر من الطغيان، إنما هى صورة مصغرة مخلصة لإرث الاتحاد السوفيتي السابق بكل دمويته وأسواره الحديدية وسحقه للإنسان، وحزب الله الذي كنا نرفعه إلى عنان السماء باعتباره رمزا لمقاومة الظلم والتجبر والقوة الغاشمة نجده يكشف عن وجهه الطائفي القبيح مثل راعيته إيران، ويذهب لسوريا لقتل المظلوم ومساندة المتجبر.
تحالف الشر الداعم للأسد: روسيا وإيران وحزب الله، لم يكن ليتجبر ويعتدي على السوريين ويرتكب الفظائع ويمارس حرب الإبادة ونموذجها الحي مدينة حلب اليوم التي تفوقت على ستالينغراد السوفيتية في تعرضها للدمار والوحشية ، لم يكن يحدث ذلك لها ولا للمدن والأحياء والقرى التي تحت سيطرة المعارضة لو كان أوباما له اعتبار أو قيمة أو هيبة، لقد تجرد من كل أسلحة القوة الأمريكية، وبدا عاريا أمام هؤلاء الذين يريدون تكريس وجودهم دوليا :روسيا، وإقليميا: إيران:  ومحليا: حزب الله، فمشاركته في القتال ورغم خسائره إلا أنها تضيف له خبرة عسكرية وتنظيما وتسليحا وتجعله فوق الدولة اللبنانية إلى أمد طويل، وبدا ذلك من استعراضه العسكري في القصير السورية كما لو كان استعراضا لجيش منظم، كما قال أحد قادة الحزب إن عناصره المسلحة صارت أقرب لجيش نظامي.
أوباما أتاح لروسيا استعادة مكانة ونفوذا شرق أوسطيا ودوليا من خلال سوريا أكثر مما حقق لها التدخل في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم، وصارت موسكو صاحبة الكلمة الأولى والأخيرة في سوريا، واليوم أي دولة تريد الحماية من حليف مخلص لا يتخلى عنها ستذهب إلى موسكو وستعطي ظهرها لواشنطن بعد الذي فعلته مع حلفائها في الخليج، فقد خذلتهم أمام إيران، وخذلتهم في سوريا، وأتاحت لإيران عبر الاتفاق النووي وعبر التغلغل والسيطرة على العراق وسوريا ولبنان والتدخل في اليمن،  أتاحت لها تهديد أمن واستقرار دول الخليج.
حتى لو سقطت حلب
هل كان يجب أن يتدخل أوباما في الحرب؟، لم يكن مطلوبا ذلك، إنما طالما وقف داعما للشعب السوري في ثورته لنيل حريته من ديكتاتور كان عليه أن يستخدم النفوذ القوي لبلده في توفير كل أشكال الدعم لتلك الثورة حتى تنتهي ببناء دولة وطنية مدنية لكل السوريين دون إقصاء أو تهميش لأحد، والمؤكد أن الأجهزة الأمريكية تعلم تاريخ وحقيقة وتحالفات نظام دمشق، وأنه ليس من النوع الإنساني، ولا الأخلاقي، ولا يؤمن بالسياسة والحوار، ولا أمل يرتجى منه في قضية الحرية لشعبه، فهو حبة في عقد أنظمة الاستبداد التي لا تقيم وزنا للإصلاح لا سلميا متدرجا، ولا بالثورة التي فرض عليها العسكرة وقاد البلد إلى قتل وتهجير ودمار هائل وتسبب في جرح عميق من الكراهية والثأرات لن يندمل، لم يفعل أوباما شيئا ذا قيمة حقيقية مقارنة بما تفعله روسيا لحليفها، رغم أن أي تدخل أمريكي كان سيكتسب قيما إنسانية وديمقراطية، بينما التدخل الروسي هدفه تكريس الاستبداد.
حتى لو سقطت حلب، وغيرها، فتلك الحرب لن تعني انتصارا للنظام ولا هزيمة لخصومه، فالنظام لم يستعد ما سبق وخرج من تحت سلطته من مناطق بنفسه في حرب متكافئة، إنما هى حرب الروس والإيرانيين وحزب الله وميليشياتهم الطائفية ومرتزقتهم، مقابل جماعات مسلحة أضرها التفرق، وأضرها تنظيم داعش وفصائل التطرف، ولم تكن دول كبرى ولا صغرى تقاتل إلى جانبها كما هو حال نظام دمشق، ولم يكن إلى جوارها ميليشيات وألوية ثورية ومرتزقة.
لو عاد وسيطر الأسد على سوريا كلها فماذا سيحكم الديكتاتور؟، هل سيحكم الخراب للإنسان والعمران؟، وهل سيحكم شعبا أكثر من نصفه بين قتيل وجريح ولاجئ ونازح، ومن يعيش تحت سلطته مقموعا ومقهورا؟، وهل سيحكم وهو يجلس على تلال هائلة من الجماجم، ويسبح في بحيرات من الدماء بلا شواطئ؟.
فليخرج أوباما من الحكم تطارده لعنات دماء الضحايا، ويطارده عار التخاذل، أما وحوش وبرابرة وسفاحو العصر فسيضعهم التاريخ في أشد صفحاته قتامة وسوادا.

_____________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة