مقالات

سمير العركي يكتب: المصالحة بين رفض السلطة وعجز المعارضة

سمير العركي*

يبدو أنه كلما أوغل الزمن في مساره الطبيعي ، كلما ازدادت الثورة المصرية – أو ما تبقى منها – تخبطاً وولوجاً في عالم التيه بفعل قرارات خاطئة ، ورؤى ضبابية يرفض أصحابها أي خضوع للمساءلة أوالمحاسبة بل ويصرون – في جبرية عجيبة –  على أن ما حدث كان لابد له أن يحدث .
وحديث المصالحة ليس منفكاً عن هذه الأجواء ، فمن الطبيعي أن يلفه ذات الغموض والتردد ويعتريه عدم الوضوح .
فعقب العاصفة التي أحدثتها تصريحات نائب المرشد العام للإخوان الأستاذ إبراهيم منير ، والتي عشنا معها سيلاً من التصريحات الشارحة والموضحة والتي لم تزدنا إلا رهقاً اضطررنا معها أن نستعين بالحواشي والهوامش لفهم موقف الجماعة من المصالحة ، وأن نقف على العديد من العبارات بالشرح والإسهاب لمعرفة مقصود الرجل منها !!!
لكن جديد الأمر أن الحديث المتجدد عن المصالحة خرج هذه المرة بعيداً عن الجماعة وعبر قوى إقليمية لها ثقلها .
فقبل عدة أيام أعرب نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا د. ياسين أقطاي عن "دعم أنقرة لأي مصالحة تشمل كافة عناصر المجتمع المصري، مشدّدا على ضرورة إطلاق سراح جميع المعتقلين بعد 3 يوليو/ تموز2013، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة. "
تصريحات أقطاي جاءت في وقت كان السيسي في زيارة إلى دولة الإمارات ، ما أشعل بورصة التكهنات حول إمكانية إتمام مصالحة تعمل على إنهاء الاحتقان في المجتمع المصري ووضعه على مساره الصحيح من جديد ، خاصة أن زيارة السيسي تزامنت مع زيارة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز .
كانت الخطوط العامة للمصالحة تقضي بحل جماعة الإخوان ، وعدم ممارسة السياسة لمدة خمس سنوات ترشحاً أو حتى تصويتاً ، مقابل الإفراج عن المسجونين وعلى رأسهم محمد مرسي ووضعه قيد الإقامة الجبرية في مصر أو خارجها .
لكن حديث المصالحة سرعان ما تبدد ، إثر مقتل أربعة من المعارضين ، ثلاثة منهم كان ذووهم قد تقدموا ببلاغات قبل أشهر بسبب اختفائهم ، ما فتح الباب للحديث عن اغتيالهم خارج إطار القانون ، واعتبار الحادث بمثابة رد سريع من السلطة على جهود المصالحة .
ما حدث أثبت أن إتمام المصالحة في مصر ليس من السهولة بمكان كما يظن البعض ، فطرفا النزاع: السلطة والمعارضة غير مستعدين لخوض تفاصيلها ، لأسباب خاصة بكل جهة .
رفض سلطوي رغم الأزمة
الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة التي تمر بها مصر ، كان من المفترض أن تدفع إلى اتجاه حكومي فوقي إلى إتمام مصالحة ، تخفف من صعوبة الأوضاع المعيشية ، وتدفع إلى تهدئة المجتمع ، لكن يبدو أن السيسي وحكومته اختاروا الذهاب إلى الطريق المضاد لعدة أسباب :
أولاً : رغبة القاهرة في إتمام إعادة تموضع سياستها الخارجية ، بعيداً عن المسار السعودي الخليجي ، خاصة بعد تفجر الخلاف بين الطرفين على خلفية قضايا المنطقة وعلى رأسها المسألتان اليمنية والسورية ، اللتان اتضح للرياض أن السيسي لم يكن حليفاً موثوقاً به ، فكان القرار السعودي بوقف الإمدادات الاقتصادية المتنوعة وهو ما قابله السيسي بمزيد من التقارب مع إيران ونظام بشار، حتى أشارت تقارير روسية مؤخراً إلى احتمالية إرسال قوات مصرية إلى حلب بعد خروج المعارضة منها للعمل على استتباب الأمن !!!
ثانياً : المتابع لخطابات وتصريحات السيسي في مناسبات مختلفة ، لا يجد صعوبة في استخلاص وجهة نظره ، فالمصالحة بالنسبة إليه فرصة ضائعة انتهى وقتها منذ رفض الإخوان حضور اجتماع الثالث من يوليو 2013 الذي انتهى بعزل مرسي ، خاصة وقد تمكن من تمتين موقفه الإقليمي والدولي ، على عكس موقف المعارضة .
ومن هنا فليس صحيحاً ما يروجه البعض في معسكر المعارضة ، من وجود رغبة لدى السيسي وأركان حكمه في إتمام مصالحة عاجلة .
ثالثاً : تورط كثير من أجهزة الدولة وهيئاتها في الممارسات القمعية ضد معارضي الانقلاب بصورة غير مسبوقة حتى في سنوات حكم مبارك ، وهو الأمر الذي لن يمكن السيسي من الذهاب منفرداً إلى أي مشروع مستقبلي للمصالحة دون الحصول على موافقة جميع هذه الأطراف .
رابعاً : إتمام أي مصالحة بين السيسي والإخوان لا يعني سوى إعادة النشاط إلى المجتمع المدني مجدداً ورفع كثير من الآصار والأغلال عنه وهو ما لا يريده السيسي ، الذي يعمل بكل همة من أجل تأميم ما تبقى من المجال العام عبر تأديب النقابات الشاردة ( كما حدث في نقابتي الصحفيين والأطباء مؤخراً )، كما يعمل على تضييق مسارات العمل الأهلي بقانون الجمعيات الأهلية الذي تم إقراره في مجلس النواب قبل أيام ، إضافة إلى عشرات الحقوقيين قضائياً ومنعهم من السفر دون سند قضائي.
 معارضة مأزومة ، وحلول مفقودة
لم تكن الدعوى القضائية التي تقدم بها معارض مصري ، ضد معارض آخر في إحدى دول المهجر بعد انتقادات وجهها إليه الأخير ، اعتبرها بمثابة سب وقذف ، إلا تعبيراً صادقاً عن حالة التشرذم والتفكك التي تعاني منها المعارضة بعد أكثر من ثلاث سنوات من محاولة العمل المشترك فشلت فيها في إيجاد جبهة موحدة لمواجهة الانقلاب ، كما فشلت أيضاً في بناء رؤية استراتيجية ذات بدائل متعددة للتعامل مع الموقف وتطوراته المحتملة .
أزمة المعارضة خرجت من الغرف المغلقة إلى فضاء مواقع التواصل الاجتماعي وصفحات الجرائد ، ما أدى إلى تعميقها ، وصعَّب في الوقت ذاته من محاولة لملمتها .
كما أن الكيانات " الثورية " التي تم إنشاؤها منذ اللحظات الأولى للانقلاب عجزت عن أن تكون مظلة جامعة للقوى المعارضة للحكم العسكري على اختلاف توجهاتها الإيديولوجية .
في ظل هذه الحالة سيكون من الصعوبة بمكان أن تحصل على أجوبة واضحة لسؤال المصالحة ! وما هو موقف المعارضة منها ؟ وهل من الممكن القبول بتسوية ما تضمن إخراج المعتقلين ؟ مقابل الاعتراف بالسلطة الحالية؟
وإذا كانت هذه هي حالة الخطوط العريضة ، فما بالنا إذا ما أوغلنا في التفاصيل التي غالباً ما يكمن فيها الشيطان كما يقال ، فنحن إزاء حوار للطرشان ، لا السلطة فيه مستعدة لقبول الفكرة ، ومازال في جعبتها المزيد من مظاهرالبطش والتنكيل ، ولا المعارضة لديها القدرة على بلورة موقف موحد وواضح إزاء الملف برمته.

_____________________

*كاتب وصحفي مصري  
     

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة