ابتسام تريسي تكتب: أطفال سوريا بين الأسد والفصائل الإسلامية

إذا كان بشار الأسد يستهدف من وراء قصف الأطفال تهجير أهاليهم لإحلال مواطنين يستوردهم، فإن هذه الممارسات التي تقوم بها الفصائل الإسلامية ليست إلا دعماً وسنداً لبشار الأسد في تحقيق هدفه. يتبعه

ابتسام تريسي*

يدرك بشّار الأسد جيداً – بتوجيه ومساعدة روسيا- أنّ قتل أطفال سوريا بكلّ الطرق الممكنة هو الضمان لاستمرارية حكمه واستلام ابنه حافظ من بعده، كما كتب الأخير على صفحته في الفيسبوك ساخراً ومستهزئاً بمن سأله ماذا سيصبح في المستقبل؟

ماذا سيفعل سليل المجرمين؟ سيحكم سوريا بعد أن ينظّفها والده من الأحرار بالقتل والتهجير، وإعدام مستقبلها باستهداف الأطفال في المدارس والبيوت والشوارع وآخر مجازره في روضة الأطفال بحرستا! نعم وصل إجرامه إلى حدّ قصف روضة أطفال.. فلماذا استنكر العالم قصف إسرائيل لمدرسة “بحر البقر” في محافظة الشرقية بمصر عام 1970؟ تلك كانت إسرائيل عدوتنا!

إسرائيل المدعومة عالمياً بكلّ القوى العسكرية التي تحارب بالنيابة عنها لتجهيلنا والقضاء على شعوبنا ونحن مشغولون بنبش تراث الجهل وتكريسه في زمن الوثبة العلمية التي جعلت العالم قرية كونية، ليس دفاعاً عن الغرب أو أمريكا، فهم أيضاً عاشوا التخلف ذاته بضغط من الكنيسة وبسلاح الدين نفسه، فقد كانت الكنيسة المسيحية في أمريكا الفتية تقف ضدّ التّطور العلمي، وتكفّر أصحاب الفكر والاختراعات وتحرّض المؤمنين من رعاياها على رفض تلك الاختراعات وعدم استخدامها. وفي إحدى الولايات منع القس في خطبة الأحد النّاس من تركيب مانع صواعق فوق الكنيسة بحجة أنّ الرعد والبرق هي أحكام الإرادة الإلهية ووضع مانعة صواعق فوق مبنى على قمة المعبد لن يحميها من غضب الرب!

فالناس لا يعلمون من أين تأتي الريح، لكنّ القساوسة يعلمون أنّ الرب يركب العواصف وهو يحصد الزوبعة! وأصحاب الفكر “التجهيلي” يحاولون الآن إقامة دولة خلافة في العراق والشام تعود بالناس آلاف السنين إلى الوراء والغريب أنّهم يستخدمون كلّ تلك الاختراعات التي يلعنونها للترويج لدولتهم بالإرهاب والترهيب والتجهيل.

ولو تفكّر أصحاب العقول ممن يديرون البلاد المحرّرة لوجدوا أنّه من الحماقة إقامة دولة خلافة في الوقت الذي تمرُّ فيه الأمة الإسلامية بأضعف مراحلها.

الموالون لبشّار الأسد قاموا في الشهر الماضي باحتفال في ساحة الأمويين أمام مبنى الإذاعة والتلفزيون وهيئة الأركان في دمشق على الطريقة الغربية بمناسبة “يوم الابتسامة العالمي” بعد ماراثون انطلق من ساحة الجلاء الرياضية، وأقاموا نصباً تذكارياً وأطلقوا الألوان في الهواء ودهنوا أجسادهم بها ورقصوا على أنغام الأغاني التي تمجّد شخص الرئيس.

ردود الأفعال على العمل والصور والأغاني كانت متناقضة كالعادة، لكنّ فريق ملهم التطوعي الذي يقوم بخدمة الثورة والنازحين منذ بداية تكوينه والذي أخذ اسمه من اسم الشهيد ملهم الطريفي، أعجبته الفكرة وقام بتنفيذها في مخيم تابع لمدينة دركوش في الشمال السوري، فكانت النتيجة اعتقال أعضاء الفريق لمدة خمسة أيام قبل محاكمتهم. وقد كتب عاطف نعنوع مدير الفريق: أنّه “تم اعتقالهم بالجرم المشهود يوم الأربعاء الماضي وهم يدخلون الفرحة لقلوب الأطفال في أحد المخيمات في الشّمال السوري على أنغام موسي”جنة جنة سوريا يا وطننا التي أخذت شهرتها على لسان حارس الثورة الحمصي عبد الباسط الساروت”.

حكم القاضي الشرعي “أبو أيوب” في محكمة سلقين الشرعية التابعة لفتح الشام على فريق ملهم التطوعي بغرامة قدرها “3000” دولار “تعزير”!

والتّهم الموجهة للفريق “استخدام طائرة فانتوم وهي طائرة عسكرية ولا يجوز استخدامها للأعمال المدنية..(علماً أنّ الطائرة المستخدمة طائرة صغيرة تستخدم للتصوير!) وهذه التّهمة تشبه حظر منع حمل السلاح إلا للضباط وصف الضباط!

التهمة الثانية: ملاسنة “أبو أيوب” الشرعي، وهي تشبه تهمة تحقير شخص الرئيس الذي راح فيها المئات من شباب سوريا قتلاً تحت التعذيب في سجون الأسد. أمّا التهمة الأخطر والأشنع بين كل ما وجّه للفريق فهي تصوير خلفيات النساء!

أمريكا وروسيا تستخدمان هذه الطائرات لتحديد مواقع يتم من خلالها استهداف عناصر وقيادات في المناطق المحررة، لو قام أبو أيوب بتوجيه التهمة للفريق على هذا الشكل (التعاون والتخابر من أجل اغتيال قيادات الفصائل الإسلامية) لما استطاع أحد أن يعترض على التّهمة بالعكس كثيرون سيتهمون الفريق ويصدّقون الشرعي “أبو أيوب”.. أمّا أن تقوم الطائرة بتصوير خلفيات النساء اللواتي يحتفلن مع الفريق واللواتي لم يتجاوز عمر إحداهن عشر سنوات فهذا لا يحتمله عقل إنسان بغض النظر عن تخلفه أو تحرره.


من الواضح أنّ التّهم الملفقة للفريق غايتها كسب استعطاف الناس والضغط عليهم بسلاح “الحرام والحلال” والغاية “تشويل/ وهي عبارة مستحدثة في اللهجة الدارجة تعني سرقة” كاميرات الفريق والطائرة والسطو على مبلغ مالي كبير مخصص لأيتام المخيمات في ريف اللاذقية للشهر الحالي، ربّما لم يعرف “أبو أيوب” والهيئة الشرعية أنّ مصادرة هذا المبلغ هو أكل لمال اليتيم، وربّما لم يسمع بقوله تعالى: (إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنّما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً).

أحد الشرعيين حين كثر اللغط حول القضية وتدخّل ناشطون لحلها قال: “إنّ هذه الأنشطة دعوة للاختلاط والمعاصي”.. نعم إنّها دعوة للاختلاط والمعاصي فالفكر الذي يرى أنّ الطفلة في العاشرة من عمرها صالحة للزواج، لا شكّ سيرى فيها امرأة لها خلفية تصورها الطائرات وسيرى وجودها في مدرسة في المخيمات دعوة للمعاصي والفجور!
وإذا كان بشار الأسد يستهدف من وراء قصف الأطفال في رياضهم ومدارسهم تهجير أهاليهم لإحلال مواطنين يستوردهم من أفغانستان والعراق وإيران ولبنان وغيرهم، فإن هذه الممارسات التي تقوم بها الفصائل الإسلامية ليست إلا دعماً وسنداً لبشار الأسد في تحقيق هدفه وتبقى الطفولة هي الضحية الأولى في كلا الأمرين.

___________________

*كاتبة سورية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة