عبد القادر عبد اللي يكتب: أزمة النظام الرئاسي في تركيا

عبد القادر عبد اللي*

 
مثلما كان الانقسام السياسي في تركيا حاداً قبل سقوط الاتحاد السوفيتي، فالانقسام السياسي اليوم عموماً حاد بين تيارين، أحدهما يريد نظاماً رئاسياً، والآخر لا يريد…
لو حاولنا عمل مسح للصحافة التركية الموالية والمعارضة على مدى السنتين الأخيرتين لمعرفة ما هو النظام السياسي المطلوب أو الأصلح لتركيا، وما هي المآخذ على النظام الرئاسي وما هي إيجابياته، لن نجد أي جملة مفيدة حول هذا الأمر. كل ما هنالك أن المعارضة تعتبر النظام الرئاسي توجّه نحو الديكتاتورية، والمولاة تعتبر هذا النظام استقراراً.
النظام في الولايات المتحدة وفرنسا رئاسي، فهل هو ديكتاتوري؟ والنظام التركي حتى مطلع الألفية الثالثة برلماني، وكذلك الأمر النظام العراقي برلماني، فهل هذان النظامان ديمقراطيان؟

بعد دستور 1982 دخلت تركيا بنقاش حول شرعية هذا الدستور الذي تم التصويت عليه في ظل حكم عسكري انقلابي مُنِع المعارضون له حتى من الإدلاء بوجهة نظرهم حوله، ولعل النقطة الوحيدة التي يتفق عليها السياسيون الأتراك من الاتجاهات كافة هي أن هذا الدستور غير صالح، وهو غير ديمقراطي، وهذا كان سبب مئات التعديلات الدستورية التي حدثت منذ تلك الفترة إلى الآن، ولكن ما هو الدستور المطلوب؟ هذا السؤال الذي ليس له إجابة محددة واضحة في تركيا. 
المعارضة التركية تعارض النظام الرئاسي بذريعة أنه نظام ديكتاتوري، ولكنها لا تبين أين تكمن الديكتاتورية في هذا النظام، فلا يمكن أن نجد في أي تصريح لأي معارض مادة مقترحة في الدستور الجديد مفندة، ومدروسة، وتنوِّر لنا ديكتاتوريتها، وبديلها الديمقراطي. الأمر الوحيد هو افتراضها أن الدستور الرئاسي لن يكون علمانياً، وهذا ما يؤثر على الديمقراطية! والمولاة ما عدا بعض الأصوات المتفرقة تقول إنه علماني، وهذه نقطة محسومة. 
ترى ألا يمكن أن يكون النظام البرلماني غير علماني أيضاً؟ وهل العلمانية قالب يؤخذ، ويطبع في نظام معين؟ أما كانت العلمانية التركية محط انتقادات كثيرة من العلمانيين والمناهضين للعلمانية على حد سواء؟ 
نعم، العلمانيون في تركيا يرون العلمانية التركية ناقصة، فكيف تدفع دولة علمانية رواتب خطباء مساجد وأئمة ومفتين من ميزانيتها؟ وحتى هناك انتقاد أبعد من هذا، فرئاسة الشؤون الدينية التابعة لرئاسة الحكومة هي مؤسسة إسلامية ذات طابع سني، ويعارض العلويون هذه النقطة بذريعة أنها ليست علمانية، ويطالبون بأن يكون هناك مؤسسة دينية موازية للعلويين. بينما هناك من يطالب بإلغائها على الرغم من أن مؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك هو الذي أسس هذه المؤسسة بهدف إيجاد انسجام بين الخطاب الديني العام وتوجه الدولة. 

وبفرض أن دستور النظام الرئاسي جاء علمانياً، فماذا ستقول المعارضة؟
عندما وضع قانون الانتخابات التركي، وضعت عتبة حصول الحزب على عشرة بالمائة في عموم تركيا، وجاء فيما يسمى “فذلكة” القرار، أي “مبرره في مقدمته: حصر التنافس بين أحزاب كبرى، لتشكيل حكومات قوية” لأن الحكومات الائتلافية في تركيا كلها لم تحقق نجاحاً يمكن تسجيله لها طوال فترات حكمها.
لو استعرضنا الحكومات السابقة لوجدنا فعلاً أن حكومة “حزب الوطن الأم” برئاسة طورغوت أوزال هي التي بدأت الإصلاحات الفعلية في تركيا، وأول من وضع لبنة الإصلاح الاقتصادي والسياسي، وبعد خسارتها الأغلبية البرلمانية، ودخولها مع أحزاب أخرى في حكومات ائتلافية توقفت تلك الإصلاحات، ولم تستمر حتى جاء حزب العدالة والتنمية منفرداً إلى الحكم.
يوم تطبيق نظام اللباس الذي أقره أتاتورك، ويسمى في الأدبيات الرسمية التركية “ثورة القبعة”، تعرض كثير من الفلاحين للضرب على يد القوى الأمنية لعدم وضعهم قبعة على رؤوسهم، فقد كان على القروي أن يرتدي ما يشاء، ولكن لابد من القبعة على رأسه. ويروى أن قبعة كانت توضع خلف باب البيت، يضعها على رأسه من يخرج كي يتجنب الضرب. وخرج القانون من مضمونه باعتبار أنه يدعو إلى مظهر معاصر، وحُصرت القضية بوضع القبعة فقط. وتصلنا من تلك المرحلة صور مضحكة لرجال يرتدون السروال والحزام الذي يلف الوسط عدة لفات وسترة الفراء التي يلبسها الفلاحون في الجبال، وعلى رؤوسهم القبعة المستديرة الأوربية.
يبدو أن النظر إلى الدستور التركي المقترح اليوم يشبه إلى حد بعيد النظر إلى القبعة عند طرح قانون اللباس. فليس هناك أهمية لما يرد في مواد الدستور، وما هي المواد التي يجب أن ترد، بل المهم ألا يكون دستوراً رئاسياً بالنسبة إلى البعض، وألا يكون برلمانياً بالنسبة إلى البعض الآخر.
في الحقيقة أن هناك بعض الأصوات الخجولة التي تخرج قائلة: “المهم هو مضمون الدستور، وليس شكله”، ولكن سهام النقد اللاذع، والهجوم العنيف، واتهامات الوقوف إلى جانب الحكومة ما تجعلهم يتراجعون عن هذه التصريحات، ويعلنون أنه أسيء فهمهم.
يبدو أن المستفيد الأول من هذا الانقسام السياسي الحاد هو حزب العدالة والتنمية. فتمترس كل طرف حول فريقه يجعله يتقبل ما يطرح فريقه مهما كان هذا الطرح. وهذا ما يفتح الطريق أمام الفريق الأكبر للتعنت، وفرض آرائه، وعدم التراجع عنها، ولا شك أن فريق العدالة والتنمية هو الأكبر، وبإمكانه أن يمرر دستورا رئاسيا على مقاسه، لأن الخيار سيكون بين نظام رئاسي ونظام برلماني، وليس بين مضمونين لدستورين، وأيهما يمنح المواطن حريات أكثر.

____________________

*كاتب سوري متخصص في الشؤون التركية 

 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة