صلاح سليمان يكتب: أبعاد أزمة الثقة بين تركيا وألمانيا

وسائل الإعلام الألمانية متحيزة ضد أردوغان، فهي تشن حملات متكررة للسخرية منه، وهي تتهمه صراحة بقمع الحريات، واستهداف الأكراد، والتضييق على الصحف المعارضة

صلاح سليمان*

علاقات في مهب الريح هكذا يمكن وصف حالة العلاقات التركية الألمانية الراهنة، فهى ليست على ما يرام منذ فترة طويلة، لكنها في غضون الأيام القليلة الماضية شابها الكثير من التوتر والخلاف،  فإلى أي مدى سيستمر هذا الوضع؟ وما الذي يمكن أن يسفر عنه استمرار أزمة الثقة بين الدولتين؟
الرئيس التركي رجب طيب أرد وغان له برنامج طموح يريد به الانتقال بتركيا إلى مصاف الدول المتقدمة اقتصاديا، ومن ثم لعب دورا سياسيا يعود بتركيا إلى أمجادها السابقة،  لقد حقق بالفعل على هذا الطريق نجاحات عديدة ساعدت في خلق شعبية كبيرة، تقف خلفه وتساند إصلاحاته .
في سنة 2010 ظهرات بوادر المشاريع التركية العملاقة التي حولت تركيا إلى هذا المركز السياسي والاقتصادي المهم، وأصبحت تركيا الآن بفضله معبرا يربط بين قارات العالم، مما اعتبره الألمان منافسة تركية تؤثرعلى وضع بلادهم الاقتصادي،  ويسحب البساط من تحت ميزات انفردت بها المانيا لتصب في صالح  تركيا ، عندئذ لم تكن ألمانيا راضية عن هذا التحول التركي الجديد،  وحاولت الضغط عليها، ووفق الخبراء قامت بدعم حزب العمال الكردستاني إعلاميا وعسكريا ،  فيما تصنفه تركيا حزبا إرهابيا،  وهذا تسبب في  خلق فجوة كبيرة ونوع من عدم الثقة بين الطرفيين .
تركيا تريد من ألمانيا أن لا تعترض تقدمها، وأن تقبل بتركيا الجديدة،  ولا تقف عقبة في طريق انضمامها للاتحاد الأوربي،  بل يجب أن تتعاون معها في اطارمن الثقة المتبادلة التي يمكن أن تثمر المزيد من الفائدة للطرفين، لأن التنافس المضر سيعود بالتأكيد بالضرر الكبير علي الدولتين.
أزمة الثقة الكبيرة بين البلدين دفعت الرئيس التركي أردوغان إلى توجيه اتهام صريح إلى ألمانيا بأنها تؤوي إرهابيين مناهضين لتركيا،  كما انتقد بشدة عدم تجاوب برلين مع مطالب تركيا بتسليم عناصر متهمة من قبل السلطات  بالمشاركة في الانقلاب الفاشل، مما دفع وزير الخارجية الألماني فرانك شتاينماير للدفاع عن سياسة بلاده بقوله: ”  إن معركة تركيا ضد الإرهاب لايمكن أن تستخدم كمبرر لإسكات صوت المعارضة السياسية أو حتي وضع المعارضين خلف القضبان”.
هذا التدهور في العلاقات لا يتفق مع تاريخ التعاون الطويل بين الدولتين منذ عهد  السلطان العثماني عبد الحميد الثاني وملك ألمانيا ويلهلم الأول، فالسلطان عبد الحميد كان يمنح المانيا الكثير من الامتيازات السياسية والاقتصادية  لصد أطماع الدول الإمبريالية في ذلك الوقت وظل التعاون والتفاهم بين الدولتين قائما حتي إن أكبر جالية تركية وكردية في أوربا هي التي تعيش في ألمانيا وتصل إلى أربعة ملايين شخص .

من جهته يري رئيس الجالية التركية  جوكاي سوفو أوغلو أن الخلافات وتفاقم الأوضاع في تركيا تضر بالجالية , التركية وتساعد علي انقسامها، لذلك فهو يطالب  بضرورة ضبط النفس والعمل على نبذ الفرقة والخلاف.
منذ أيام قليلة تفاقم الوضع بين الدولتين عندما استدعت الخارجية الألمانية القائم بالأعمال التركي اثر توقيف رئيس حزب الشعوب الديمقراطي المدافع عن القضية الكردية وعدد من نوابه في تركيا. مما اغضب الجالية الكردية التي يصل تعدادها إلى مليون نسمة ودفعها إلى تنظيم سلسلة من التظاهرات المنددة بالاعتقال في عدد من المدن الألمانية .

فعليا تبذل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل مساعي دبلوماسية حثيثة للحفاظ على علاقات دافئة مع تركيا فهي لا تنسي أن بوابة تركيا فد تغرق دول الاتحاد الأوربي باللاجئين، لذلك تعول كثيرا علي الاتفاق الموقع مع تركيا بشأن حل أزمة اللاجئين، ووقف تدفقهم نحو أوربا مقابل حصول تركيا على دعم مالي، ودخول مواطنيها إلى دول الاتحاد دون حصولهم المسبق على تأشيرة، وإطلاق مفاوضات ضم تركيا إلى عضوية الاتحاد الأوربي. 
لكن ثمة تلكؤ أوربي في تنفيذ بنود هذا الاتفاق،  وهو الأمر الذي يثير حفيظة الأتراك الذين يتهمون ألمانيا بعرقلة الانضمام في حين يقول وزير الخارجية شتاينماير إنه دائم الدفاع عن رغبة الأتراك  في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي، لكن على الحكومة التركية أن تبرهن بشكل واضح عن كيفية اتجاه الطريق الذي ستسلكه مع الاتحاد الأوربي في هذا الشأن.
وسائل الإعلام الألمانية متحيزة ضد أرد وغان، فهي تشن حملات متكررة للسخرية منه، وهي تتهمه صراحة بقمع الحريات، واستهداف الأكراد، والتضييق على الصحف المعارضة، يذكر في هذا الصدد  أن  قناة “إن دي آر” عرضت في برنامج ساخر لها، أغنية تهاجم شخص الرئيس التركي، وتصفه كلماتها بالمتكبر القادم من البوسفور، الذي يعيش في الترف، ويقوم بسجن الصحفيين الذين لا تعجبه كتاباتهم. أيضا عرضت القناة الثانية واسعة الانتشار “زد دي أف”،  قصيدة “هجاء” للرئيس التركي، تضمنت عبارات سب وقدح تنافي الذوق العام وتصف الرئيس التركي بعبارات مهينة هذا غير المقالات اليومية في مختلف الصحف التي تنتقص من هيبة ومكانة الرئيس التركي .
الغضب التركي من قبل هذه الحملات المتكررة دفع ميركل إلى محاولة احتوائه بإجراء اتصالات مع مسؤليين أتراك وسط رفض الأوساط الإعلامية هذه الاتصالات واتهام ميركل بالخضوع لموقف الرئيس أرد وغان لأن حرية التعبير في ألمانيا يجب احترامها.

لاشك أن هذا التوتر في العلاقات والمناخ الملبد بالسحب القاتمة، ومواصلة التصعيد الإعلامي والدبلوماسي بين الطرفين، سيلقي بظلاله على محادثات انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الأوربي الفترة المقبلة، فتركيا ستواجه بملف الديمقراطية وحرية التعبير وحقوق الإنسان، وبدورها ستلعب ألمانيا دورا رئيسيا في عرقلة انضمام تركيا إلى الاتحاد،  فهل تحدث المعجزة وتتفق الدولتان؟،  أم أن السجال سيستمر؟ والخلاف سيزداد؟

____________________________

كاتب مصري مقيم في ألمانيا
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة