طه خليفة يكتب: هيلاري وترامب .. وغياب الرئيس القوي الحكيم !

قد لا يهم الشعب الأمريكي قضايا الخارج، وقد يجد ترامب أفضل له في الداخل، وقد يعتبره نوعا من التغيير وخروجا على كلاسيكية السياسة الأمريكية وتغييرا للمنظومة الحاكمة والمتحكمة في واشنطن وقد يعتبره تجربة جديدة مثل تجربة أوباما. يتبع

*طه خليفة
في خضم الحملة الانتخابية الرئاسية الشرسة – التي لا تخلو من خروج عن قيم الرقي والأخلاق والتنافس الشريف التي يسعى الأمريكان لتثبيتها في أذهان شعوب العالم عن أنفسهم باعتبارهم شعب ونظام سياسي يعكس حالة حضارية متقدمة – خرج شريط فيديو للمرشح الجمهوري دونالد ترامب مسيء جدا ويحط من قيمة المرأة.

الشريط بثته “نيويورك تايمز” وهى واحدة من الصحف الكبرى التي أعلنت عن دعمها للمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، وكان مفهوما أن هذا الفيديو هو جزء من لعبة الصراع الانتخابي الذي لايترك شاردة ولا واردة في تاريخ وحياة المرشح إلا ويقلب فيها ويتحدث عنها وخصوصا لو كانت تتعلق بفضائح وسقطات وأخطاء مؤثرة، وتاريخ ترامب مليء بكل ماهو مثير وشهي في جانب الفضائح من تهرب شركاته من دفع الضرائب وإخفاء معاملات مالية والتدخل في سجلاتها المحاسبية والتزوير والكذب إلى كوارثه السياسية في تصريحاته العنصرية والاستفزازية وفضائحه الأخلاقية كما أبرزها هذا الفيديو بشكل يكشف الطبيعة القريبة من الحيوانية لمرشح يريد أن يكون رئيسا لأمريكا.

استفادت هيلاري من كل ما قيل ونشر عن ترامب وحصدت نتائج كبيرة متفوقة عليه في كل استطلاعات الرأي حتى الآن، لكن المدهش أن الفارق بينها وبينه بدأ يضيق خلال الأيام الأخيرة والحاسمة قبل انتخابات 8 نوفمبر الجاري مما يثير قلق أنصارها وعلى رأسهم الرئيس أوباما، كما يثير قلق المتعاطفين معها حول العالم من حكومات وشعوب من أن تحدث مفاجأة الساعة الأخيرة، ويحسم المترددون خيارهم ويميلون لصالح ترامب.

قد تنقلب الموازين
هنا قد تنقلب الموازين وقد يُعلن مساء الثلاثاء ترامب رئيسا ليكون ذلك أشبه بزلزال سياسي لا يعرف أحد كيف ستكون نتائجه وتوابعه على أمريكا نفسها وعلى العالم معها وهى عموما لن تكون نتائج طيبة، إذ مع مرشح مثل ترامب صدامي انتقامي غاضب حاد هجومي عنيف عدائي عنصري ساخط مغامر أحمق لابد أن نتوقع الأسوأ، بينما العالم بحاجة في هذه المرحلة لرئيس للقوة العظمى يكون قويا وحكيما في نفس الوقت، لا هو جورج بوش الابن حيث القوة الغشيمة التي ملأ بها منطقتنا حروبا ودماء وخرابا وتركها فوضى عارمة، ولا هو أوباما الضعيف المتردد القلق من اتخاذ أي قرار حاسم فازدادت الفوضى وتضاعف عدد القتلى مرات واتسع الخراب في منطقتنا أيضا التي هى رهينة للسياسة الأمريكية.

وإضافة للتخاذل الأوبامي عن التدخل القوي الحكيم لحسم الأزمات ووضع حد للصراعات والحروب فإنه ارتكب حماقتين، الأولى: أن إيران استفادت من ورائه كثيرا حيث هيمنت على العراق، وتمددت في سوريا وعواصم عربية أخرى، وصارت عامل توتير وتهديد جدي للعرب ولم يعد الحل في مختلف أزمات المنطقة إلا بحضورها وشروطها، كما ساعدها الاتفاق النووي مع أمريكا والغرب والمكاسب التي حققتها فيه من البروز كلاعب إقليمي أقوى من السابق، ووضح ميل أمريكا وانحيازها لها على حساب حلفائها التقليديين وخصوصا في الخليج.

والحماقة الثانية: هى قدوم روسيا للمنطقة وفرض نفسها عبر سوريا قوة عظمى لا يمكن الاستهان بها، ومنها دشنت نفسها لاعبا دوليا يصعب تجاهله في الملف السوري الذي بات ملكا لها، كما لم يعد ممكنا الاستهانة بها في مختلف الملفات إقليميا وعالميا.

وللأسف ليس هناك بين الاثنين، هيلاري وترامب المرشح الذي يجمع بين القوة المحصنة بالحكمة، فلا تنفلت القوة لتزيد الأزمات والحروب، ولا تنكمش وتدخل في بيات شتوي طويل فتظل الفوضى في حالة نشاط وتنهار دولا وتُذبح شعوبا، وتلك معادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة التحقق، إنما ليس في الأجل القريب، وليس مع أحد هذين المرشحين عندما يصبح رئيسا؛ لكن هيلاري هى الأكثر طمأنة للعالم الخارجي.

قد لا يهم الشعب الأمريكي قضايا الخارج، وقد يجد ترامب أفضل له في الداخل، وقد يعتبره نوعا من التغيير وخروجا على كلاسيكية السياسة الأمريكية وتغييرا للمنظومة الحاكمة والمتحكمة في واشنطن، وقد يعتبره تجربة جديدة مثل تجربة أوباما أول رئيس أسود في أمريكا، لكنه غير مأمون خارجيا، لا علاقة ولا خبرة حقيقية له بالسياسة الدولية ولا بملفات وتعقيدات الأزمات المختلفة ولا يملك حلولا لها، بل هو أثار القلق في تصريحاته وخطاباته ورؤيته بشأن القضايا الخارجية.

إشادة المستبدين
 وعندما يكون المستبدون محل إشادته وعندما يكون الرئيس الروسي بوتين محببا لديه ونموذجا عنده وعندما يكون الحكام الدمويون هم من يلقون إشاداته فهنا لابد أن يقود اليقين إلى خطورة هذا الرجل على سلام واستقرار العالم وعلى القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان حتى لو كانت الإدارات الأمريكية المختلفة ليست مخلصة لها وبما هو مأمول منها، وعدم الاستقرار الخارجي ينعكس على أمريكا نفسها فهى لم تعد محمية بالمحيطات ولا جزيرة معزولة عن المهددات الخارجية بل صار التهديد يطالها وبأشكال مختلفة منذ 11 سبتمبر 2001، تبقى هيلاري هى الأقل سوء من ترامب، لا تملك القوة الكافية لكنها تملك مساحة جيدة من الخبرة.

وبالتالي الحكمة من كونها كانت السيدة الأولى لمدة 8 سنوات وعايشت رئيسا ناجحا هو زوجها بيل كلينتون، وتمتلك 4 سنوات خبرة مهمة كوزيرة للخارجية في الفترة الأولى لإدارة أوباما وتمتلك ثقافة وممارسة سياسية راكمتها منذ كانت في ريعان شبابها تنشط في العمل العام، وميزة هيلاري أنها لن تكون جديدة ولا غريبة عن الحكم، فهى جزء أصيل منه، وهى جاهزة فورا للحكم وميزتها الأخرى أنها تفهم تفاصيل العالم بشكل جيد ومتعمق وأكثر من أوباما نفسه عندما تولى الرئاسة في 2008.

لكننا نلحظ أنه كما لو كنا هناك من يلعب ضدها في الأجهزة الأمريكية؛ فقد كان محيرا من وكالة الاستخبارات الأمريكية “إف بي آي” أن يقوم مديرها جيمس كومي بإعادة فتح التحقيق في قضية بريدها الإلكتروني وهى قضية تصاعدت كثيرا خلال الحملة الانتخابية واستغلها منافسها ترامب بشكل مكثف ولم يكن تقريبا عنده شيء قوي ضدها إلا هذه القضية، والقرار الثاني الذي ينبش فيه كومي هو موضوع قديم خاص بعفو كان قد أصدره زوجها كلينتون قبل خروجه من البيت الأبيض بحق أحد الأشخاص، وقد مات منذ 3 سنوات أي أنه موضوع ميت ومدفون مع صاحبه، وغالبا فإن فتح هذه الملفات مرة أخرى وفي هذا التوقيت يثير علامات استفهام غامضة حول مغزى وكالة الاستخبارات، وربما يكون ذلك محاولة منها للتأثير على فرصها في السباق ومنح ترامب دعما خفيا، وتضييق الفارق معها في استطلاعات الرأي ليس بعيدا عن هذا اللعب الخفي.

أمريكا والعالم في انتظار وترقب الساعات الحاسمة لتحديد من سيكون الرئيس الـ 45 للقوة العظمى، هل تدخل هيلاري البيت الأبيض لتكون أول امرأة في تاريخ أمريكا تصير رئيسا بعد أوباما أول رئيس أسود ليسجل الأمريكان بذلك صفحة جديدة في تاريخ بلادهم ويمنحوا العالم الاطمئنان، أم يدخله ترامب المغامر الأحمق المهووس ليجعل العالم يقف على أصابع قدميه في انتظار المجهول المجنون؟. 

_____________________

*كاتب وصحفي مصري 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة