مقالات

عبير الفقيه تكتب: ما خفِيَ من نضال المرأة التّونسيّة

عبير الفقيه*

    لئن ساهم موضوع تحرير المرأة التّونسيّة بالمقاييس الحداثيّة، في تكثيف دعم الحكومات الغربيّة لمشروع الرئيس التّونسي الحبيب بورقيبة، فإنّ بن علي – من بعده- اِحتاج لتوظيف هذا الملفّ أكثر من سابقه، لأجل تسويق صورة الدّولة التّقدّميّة والضّامنة للحرّيات مع بداية حُكمه من ناحية. ومن ناحية أخرى، باعتباره رجل أمن بالأساس، ويفتقر للحضور السياسي الذي يمكن أن يمرره به مشروعه السّياسي القائم على إقصاء الآخر كما فعل بورقيبة على مدى ثلاثين سنة. وإن اِختلف كلاهما في بعض التّفاصيل، إلّا أنّهما اِجتمعا على تقديم صورة مُنمّقة للمرأة التّونسيّة، و قاما بحصرها في المرأة السّافرة، الدّاعمة للنّظام دائما. فماذا عن الوجه الآخر للمرأة التّونسيّة؟
   كان نوفمبر/ تشرين الثّاني يمثّل للتّونسيّين، قبل الثورة، شهر العقوبة الجماعيّة المُتمثّلة في التّسبيح بِحَمْد بن علي وحزبه على مدار السّاعة. وكان المشهد الإعلامي يتفانى في تثبيت صورة الرئيس “كامل الأوصاف” التي لم تُقنع أغلب التّونسيّين يوما. ويبلغ التّفاني أوْجه في اليوم السّابع من هذا الشّهر مذّكرين بانطلاق “عهد جديد” في 1987. و بِأمر من أوصياء الشّأن السّياسي التّجمّعيّ، دأبت الآلة الإعلاميّة على هذا التقليد ومهّدت لاِكتساح “ليلى الطرابلسي” مشهد الزّعامة وأصبح النّجاح المُروّج له نجاحين. و كما دأب الطّغاة، في مناسبات كهذه، على تكريم “الرّموز”، حرص بن علي على ترسيخ أسماء المناشدين له في ذاكرة المواطن التونسي، وتركيع و ابتزاز من اِستعصى عليه، والتّخلّص {بطريقته} من الميؤوس منهم. أمّا زوجته فقد تفرّغت لِتدجين “النّخبة” النّسويّة الممثلة لتونس في المحافل الدّوليّة بمن في ذلك رموز “النّضال النّسوي”.
   لم يخطر ببال أحدٍ أنّ نشوة نوفمبر في 2010 كانت آخر اِحتفالات الرّئيس المخلوع ومن والاه، وأن قيام الثّورة المجيدة في تونس وهبت التّونسيّين نَفَسا غير الذي كان يفرضه بن علي، وزوايا نظر غير التي كانت تسمح بها كاميرات إعلامه. وبعد ما يقارب الستّ سنوات عقبت اِندلاع الثّورة، اِستماتت فيها قوى الثّورة المضادة في الدّفاع عن مصالحها الى حدود اِستعادة وضع اليد على البرلمان والحكومة و الرئاسة. ونجحت الآلة الإعلاميّة، التي لم تتحرّر يوما من سُلطة مُموّليها، على مدى هذه السّنوات في تقزيم وشيطنة كل ما يتعلّق بالثورة وربطه بالفوضى والفشل.

 اِستراتيجيّا، ركّزت الثورة المُضادة في مرحلة أولى على كسب معركة الهياكل الثلاثة المذكورة سابقا باعتبار وزنها السّياسي و نجاحها في إخماد النّفس الثّوري الجديد، ثمّ المرور تباعا إلى الإجهاز على الأهداف ذات الأولويّة الثانويّة مثل القضاء و”هيئة الحقيقة والكرامة”، والهيئة الدّستوريّة المُكلّفة بتأمين الاِنتقال الدّيموقراطي والتي أُنشِئت أيّام التّرويكا. وفي الحقيقة، كاد الفوز الذي تحقّق في المعركة الأولى يحسم الأمر بتفكيك الهيئة بعد اِختراقها، حتى يصاب التونسيون بإحباط شديد يدفن مرحلة الطّغيان الماضية بأسرارها وضحاياها (الأموات منهم و الأحياء) و اِستعادة “عهد جديد” من سطوة الدّيكتاتوريّة يُصنّف سنوات الثّورة في خانة أحلام اليقظة. 

   ورغم برنامج الهرسلة المُكثّف المُسلّط على هيئة الحقيقة و الكرامة منذ ولادتها، إلّا أنّها وصلت في النّهاية إلى توثيق ما تبقّى من أرشيف الجرائم، والتّعاقد مع قنوات تلفزيونية عديدة لتأمين بثّ شهادات الضّحايا بداية من يوم 17 من الشّهر الحالي في حلقات متوالية لاحقا. وقد أثبت وقْعُ الحلقتين الأوليين  من جلسات الاِستماع الى بعض ضحايا عهدي بورقيبة وبن علي أنّ ما صُرِف على الخطاب الإعلامي المُشيطن للثّورة طوال السّنوات الماضية ذهب هباء منثورا. وكأنّنا ببوادر نجاح مهمّة الهيئة تتجسّد في سرّ صِدق رسالة من اِستأمنوها على بثّ شهاداتهم على فعل المُستبدّين بهم و بأحبابهم تحت الأرض و فوقها أيّام الجمر. والجدير بالذّكر أنّ التّذكير بالأوجاع والعذابات اِهتزّت لها قلوب متابعي هذه الجلسات، رغم أنّ الجميع يعلم أنّ المُصرّح به لا يمثّل سوى نبذة خفيفة عن الوقائع، فالضّحايا آثروا عدم إيلام أقربائهم رِفْقا وحياء. الشّهادات في مجملها كانت مُتنوّعة من جميع الطّيف السّياسي و حتّى غير المُسيّس منهم و ناشدت الجلّادين بالاعتراف وطلب الاعتذار.
   صورة المرأة الضّحيّة الحاضرة تصدّرتها شخصيّة أمُّ مختفٍ قسريّا كانت تلهث وراء أمل ملاقاته في سجون تونس لتكتشف أن البوليس قتله و تخلّص من جُثّته منذ عشرين سنة في عمود من أعمدة جسر كان في طور البناء. السّجينة العزباء أيضا كانت حاضرة في شخصية “بسمة البلعي”، مواطنة تونسيّة نكّل بها و بكلّ عائلتها بوليس بن علي، لم يترك لها للحياة  منفذاً، أجهز على والدها كمدا وحرمها حتى من اِسمها، فهجرت الـ”بسمة” مُحيّاها.
 الزّوجة، الاِبنة، القريبة، الجارة… كثيراتٌ حُرمن حقّ الحياة و الطّموح و النّجاح، و رغم ذلك كانت أحلام بعضهنّ الثأر للنفس وللغير من ضحايا النّظام المُستبدّ، حتّى و إن تأجّل تحقيق الحلم أجيالا. ولا أبلغ من رئاسة سهام بن سدرين للهيئة وهى التي حرقها سوط جلاد بن علي و نكّل بها على أرض تونس و خارجها.
    كلّهنّ مُصنّفات بيولوجيّا في صفّ الإناث، وحقوقيّا في صفّ النّساء، لكنّهن نساء لا يرتقين لمقاييس ليلى بن علي المُحدّدة لملامح النّضال النسوي التّونسي آنذاك، وما كان من الجمعيّات النّسائية إلّا أن صمّت آذانها عن صيحاتهنّ وغضّت الطّرف عن جروحهنّ المفتوحة و ولّت وجهة نضالها شطر ضاحية قرطاج، حيث تُتوّج نساء البلاط و تُوسّم “سفيرات” تونس في الخارج.
ولا غرابة أن نرى اليوم “رموز” هذه الجمعيّات يهاجمن سهام بن سدرين، رئيسة الهيئة، التي كشفت حقيقتهنّ.

_________________

*كاتبة تونسية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة