عزة مختار تكتب: هل بلغت الحركة الاسلامية رشدها؟!

إن الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة .. ولا نبالغ إذا قلنا أكثريتها .. إنما تقف من مبدأ ” التعددية ” سواء في الرؤي الفكرية أو في الأوعية التنظيمية موقف الرفض العدائي

عزة مختار*

 

الحركة الإسلامية المعاصرة هي جزء من الشعوب العربية ، عاشت في نفس الظروف السياسية ـــ الاستبدادية، وعانت نفس المعاناة ــاقتصاديا واجتماعيا ـــ وتلقت نفس التربية  ـــ السطحية ـــ بالمدارس والجامعات. تشربت بالفكر الوافد من الغرب علي مدي سنوات حرص فيها الاستعمار أن يقوم بعملية استبدال وإحلال لثقافته ، غير أن الحركة الإسلامية استطاعت ـــ نسبيا ـــ أن تخرج قليلا من تلك البوتقة فتربي كوادرها علي مناهج وضعها بعناية بعض مفكريها، غير أن التربية المختلطة لم تخرج عن كونها جرعات تربوية قد تفيد في بعض المناحي الانسانية، ولا تفيد في بعضها ، بدليل أن النتائج المرجوة من تلك المناهج  منذ ما يقرب من القرنين لم تتحقق حتي الآن.

ومع أنني لا أنكر أن الصحوة العربية والإسلامية المشهودة اليوم إن هي إلا أثر من آثار الحركة الإسلامية ونتاج لجهدها التي بذلته عبر تلك الفترة، إلا أنها لم تحقق المرجو منها بالكامل.

إن طاقة المسلم حين يتشبع بالفكرة ، وحين يختمر القرآن في صدره ” عقلا ووجدانا ” فإن النتائج المرجوة منه قد تبهر العالم ، والعبرة ليست بالكم والعدد والتكديس.

فعلي سبيل المثال لا الحصر؛ هل استطاعت قيادة الحركة الإسلامية بمناهجها التربوية، وفقهها، وثقلها، أن تخرج من دائرة الاستبداد التي تعاني منه الأمة تحت ظل قيادة عملاء مستبدين؟ وهل استطاع أفراد الحركة بالمنهج التربوي الحالي أن يخرجوا من دائرة الاستسلام للاستبداد الداخلي بمواجهته والتصدي له وفي نفس الوقت بالحفاظ علي الفكرة والتنظيم بالحركة ذاتها؟ وهل استطاعت الحركة الإسلامية أن تربي كوادر وقيادات تحمل المهمة بناءا علي الخبرة والعلم لا علي الثقة والطاعة العمياء؟

هل طبقت الحركة الإسلامية مبدأ تداول سلطة القيادة بناء علي مبدأ الشوري في الإسلام ومعايير موضوعية برؤية أهل الحل والعقد ؟ ثم من هم أهل الحل والعقد ؟ هل هم أهل الثقة ، أم أهل الخبرة ؟
والسؤال الأهم ، هل تملك القاعدة  المعرفة الكافية ” بفقه اختيار ” القائد وضوابطه وشروطه ومعاييره وأسس الاختيار ؟ أين تقع الحركة الإسلامية من فهم التعددية فكريا وتنظيميا؟ هل تدعم الحركات الإسلامية حركة الفكر والإبداع التطوير ؟ أم أن المفاهيم الغالبة عليها الطاعة دون فهم وتطويع النصوص النبوية لتلائم التنظيم لا الدين ، فتقتل بذلك الإبداع والسعة ومفاهيم الحرية ؟

هل استطاعت الحركة أن تضع حلولا عملية لإشكالية المرأة والشباب أم أنها تركت الأمر للظروف المحيطة من زمان ومكان ليكون الحل وفقا لتلك الظروف معتمدين في ذلك علي عامل الطاعة المطلقة؟

وهناك عدة ثوابت تخص الحركة الإسلامية المعاصرة يجب أخذها في الاعتبار قبل أن نضعها تحت أي عملية مراجعة أو نقد:
1 ـ أن العمل للإسلام وحمل أمانة التبليغ والشهادة  هو جهد بشري وعمل اجتهادي قد يصيب صاحبه، وقد يخطئ ولا تعيبه عملية المراجعات ، إنما تضعه علي الطريق الصحيح إن هو حاد أو انحرف عن مساره
2 ـ أن الكيان الجمعي للعمل الإسلامي ، حتي لو جمع بداخله أفضل الخبرات وأخلص الناس  هو كيان بشري ، لا يمتد خطأه إلى الإسلام أو إلى الفكرة الإسلامية ككل ، ويجب التفريق بشدة بين الكيان البشري العامل للدين والدين نفسه فخطأ التنظيم هو خطأ بشري لا يمتد إلي الدين.
3 ــــ مقولة ” علي المرء أن يعمل وليس عليه إدراك النجاح  ” ليست مقولة صحيحة في كل وقت ، فكل مقدمة تفضي إلى نتيجة ، وسنة الله تقتضي الأخذ بكل الأسباب الأرضية الممكنة حتي تحقق نجاحا ما حتي تنقضي كافة الأسباب ، والعمل للإسلام يندرج تحت تلك السنة الربانية.
   

عدم إنجاز الأهداف
ويمكنني أن أختصر كل تلك الأسطر السابقة في سؤال واحد : لماذا لم تنجز الحركة الاسلامية أهدافها حتي الآن؟

ولن أدعي أنه من الممكن أن أحيط بكل تلك الأسباب مجتمعة إلا بقدر ما يسمح به مقال ، واطلاعي علي تاريخها وإنجازاتها علي مدي قرنين من الزمان فرأيت أن أول نتيجة يمكن أن تتعلق بالمقدمات هي:

1 ـ الحرية : فالحرية هي الغرس الأول للاسلام ، وهو السبب الأول في ” هروب  ” العقول المبدعة من التنظيمات ، وقد أخطأ مسئولوها حين ظنوا أن مبدأ الحرية يتعارض مع مبدأ الطاعة، أو أن الاستبقاء علي الحرية تنافي مع مصلحة التنظيم وقوته ، فحين أتي الاسلام لم يجبر أحد علي الدخول في العقيدة ، ومع ذلك أنشأ الاسلام مجتمعات قوية متينة مترابطة كان جلها من المسلمين وليس كلها ، وكلما كان التمسك بمبدأ الحرية قويا  قويت أركان المجتمع ، وبالتالي فإن قوة أي تنظيم تعتمد في المقام الأول علي مدي الحرية التي يتمتع بها أفراده
2 ـ  مبدأ التعددية والعلاقة بالآخر
 إن الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة تقف من مبدأ ” التعددية ” سواء في الرؤي الفكرية أو في الأوعية التنظيمية موقف الرفض العدائي. 
وهذا الرفض لهذه ” التعددية ” ليس نابعا من مجرد الرغبة في الانفراد بالفعل وبالقرار وبالجماهير؛ وإنما هو رفض نابع من خلل جعل هذه الحركات لا تميز بين الأصول والمبادئ والقواعد الإسلامية التي لا يجوز فيها الاختلاف، وبين النصوص الظنية التي تخضع للاجتهاد، وبها الكثير من السعة والمرونة.  
3 ـ الأزمة مع الفكر والمفكرين : ما يميز الحركة الاسلامية أنها بدأت علي يد مفكرين ، فعلي سبيل المثال ودعوة الإحياء واليقظة والتجديد التي عرفها الشرق الإسلامي منذ دعوة الإمام محمد عبد الوهاب ثم خطت خطوات نوعية في (الوعي والتأثير والعموم والعقلانية) منذ تيار الجامعة الإسلامية الذي قاده الرائد جمال الدين الأفغاني ، ثم تجددت علي يد الإمام المجدد حسن البنا رحمهم الله جميعا  ، ثم حدث ذلك الفصام في فترات الاستبداد التالية لخروج المستعمر من بلاد المسلمين والذي حرص أن يخلف وراه مجموعة من العملاء ليضمن تبعيتها لأطول فترة ممكنة
لقد أصبح لزاما علي الحركة الاسلامية أن تجدد خطابها الدعوي في ظل المستجدات الإقليمية والعالمية لتناسب الواقع المعاصر للأمة وتتناسب مع حجمها التاريخي ودورها الحضاري
أصبح لزاما علي الحركة الاسلامية أن تجري حوارا شاملا فالعالم كله يتجه لما يسمي بالتحالفات الدولية بينما المسلمون يتشرذمون ، ويحارب بعضهم البعض
وكلمة أخيرة إلى الحركات الإسلامية والقائمين. عليها أن تدرك أن السلبيات المتراكمة في سنوات غذاها التعصب الأعمى تجاه فكر التنظيم أو الحركة سوف يقف عائقا في سبيل الحوار البناء ، وهنا يصبح من الواجب علي الجميع إيثارا لمصلحة الأمة أن يخفض جناح التواضع وحسن الاستماع من الآخر لا عنه حتى يتسني له تغيير صورة مكونة بالفعل عبر سنوات ربما من العداء .

______________________

*باحثة في الحركات الإسلامية 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة