عبد التواب بركات يكتب: كلوا الإرغوت السام!

قبل قرون خلت، تكررت كوارث الإرغوت وتسبب في مقتل آلاف الأوربيين وألجأهم لتقديم القرابين للآلهة بعد أن أعيتهم حيل الأطباء في النجاة منه

د. عبد التواب بركات*

كما كان متوقعاً، تراجعت الحكومة المصرية عن سياسة القمح الخالي من فطر الإرغوت السام التي طبقتها لمدة ثلاثة أسابيع فقط، فشلت خلالها ثلاث مرات في شراء أي أقماح من سوق القمح الدولية، وأصدر مجلس الوزراء بيانا يوم الأربعاء 21 سبتمبر يسمح باستيراد أقماح مصابة بفطر الإرغوت حتى نسبة 0.05%.
 البيان ألغى قرارا سابقا لوزير الزراعة أصدره قبل شهر واحد فقط يرفض استيراد أقماح بها أى نسبة من الإرغوت، رقمه 1421 وقد أصدره بعد إقالة وزير التموين السابق خالد حنفي بثلاثة أيام لاغير! قيل إن الأخير استغل قربه من الجنرال السيسي وأجبره على اصدار القرار المثير للجدل  1117 الذي يسمح بدخول هذا الإرغوت لصالح مافيا الاستيراد قبل ثلاثة أسابيع فقط من قرار المنع الذي ألغاه البيان الأخير.
تضارب القرار الأول لوزير الزراعة، بالموافقة على الإرغوت، مع قراره الثاني، بالمنع، والذي صدر بعد 21 يوما فقط من القرار الأول، وكذلك مع بيان مجلس الوزراء بالموافقة بعد شهر من القرار الثاني يؤكد على وجود صراع قوى داخل النظام مع اختلاف ولاءاتهم بين الدول المصدرة للقمح الملوث بالإرغوت وبين مافيا الاستيراد دون اعتبار للشعب المصري وصحته، في ظل مبدأ عدم المحاسبة المميز لنظام الجنرال السيسي!
 وزير الزراعة اتخذ قرارا بالسماح بالإرغوت ثم قرارا آخر بمنعه، ولم يتحرج الوزير أن يلقي بيان الحكومة بالسماح مرة أخرى بالإرغوت بنفسه دون إقالته لعدم كفاءته أو يستقيل حفظا لماء وجهه!   
الإرغوت فطر شديد الخطر على حياة الإنسان، لأنه يدمر الدورة الدموية للحد الذي يسبب الغرغرينة الجافة في أصابع اليدين والقدمين فتتحلل وتسقط، ويصيبه بالتسمم الدموي والفشل الكبدي ويدمر الأنسجة العصبية ويؤدي إلى الشلل والتشنجات والهلوسة والوفاة. الإرغوت كذلك يجهض السيدات إذا تناولن خبزا مصنوعا من دقيق قمح ملوث به، وكذلك يفرغ عشار البقر والجاموس، التي تكون شديدة الحساسية لسمومه إذا تغذت على ردة ناتجة من أقماح ملوثة بالفطر، ويجفف لبن الضرع ويصيبها بالإسهال ثم الموت، بينما يظهر على الدواجن مشاكل في التنفس والإسهال ينتهي بالموت!
قبل قرون خلت، تكررت كوارث الإرغوت وتسبب ذلك في مقتل آلاف الأوربيين وألجأهم لتقديم القرابين للآلهة بعد أن أعيتهم حيل الأطباء في النجاة منه، وظهر شبحه القاتل آخر مرة في الهند في خمسينيات القرن الماضي ثم اثيوبيا قبل عشر سنوات، ولا يعرف له علاج ناجح حتى الآن.
ورغم تزرع الجنرال السيسي بعدم التدخل في أحكام القضاء لوقف أحكام الإعدام بحق رافضي الانقلاب العسكري، سمحت الحكومة بالإرغوت بالرغم من صدور قرار قضائي من المحامي العام الأول لنيابة الأموال العليا يحظر دخول شحنات قمح تحتوي على أي نسبة من الإرغوت، وقال المتحدث باسم وزارة الزراعة وقتها، لابد أن تلغي النيابة قرار حظر الإرغوت أولا ثم بعد ذلك يصدر القرار من رئاسة الوزراء. قرار النيابة صدر عقب رفض الحجر الزراعي شحنة من القمح الفرنسي أواخر العام الماضي حيث بدأت خلافات الإرغوت لأول مرة، بحسب رويترز.
وبالرغم من أن النيابة لم توقف قرارها بالحظر حتى الآن، ولن تستطيع أن تفعل فيما يبدو لأن قرارها استند إلى تقرير لجنة مشكلة بأمر قضائي من خبراء التغذية والزراعة وأمراض النباتات أكدت خطورة الإرغوت على صحة الانسان والثروة الحيوانية والنباتية، إلا أن الحكومة خالفت قرار النيابة بالحظر وسمحت بدخول الإرغوت بقرار صدر في 30 من يوليو الماضي برقم 1117، استهانة بصحة المصريين وكرامتهم، ودون اعتبار للقضاء المصري الشامخ ولا اعتراض من سادته وسدنته!
وحيث تصل واردات مصر من القمح هذا العام 11 مليون طن، فإن موافقة الحكومة على استيراد أقماح الإرغوت يعني دخول 5500 طن من الفطر السام للبلاد، بمعدل 550 طنا كل شهر تقريبا ليحتوي الكيلوغرام من هذا الدقيق قرابة 50 مليغراما من الأجسام الحجرية السامة.
هذه النسبة من السموم ليست بسيطة، فهي تفوق ما تسمح به سويسرا لمواطنيها بمعدل 25 ألف ضعف، واليابان بمعدل 12 ألف ضعف، وكندا واستراليا والاتحاد الأوربي بمعدل 10 آلاف ضعف، والولايات المتحدة بمعدل 1666 ضعفا! مع الوضع في الاعتبار أن هذه الدول لا يحكمها ساسة مصريون متواطئون مع مافيا الاستيراد.
ما يؤكد أن صحة المصريين تدحرجت في أيد غير أمينة، طلب وزير الزراعة من الجنرال السيسي  بإسناد مهمة استيراد القمح لجهاز الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة، ما يكرس للفساد الذي لا يسمح الجيش بالتحقيق والنشر العلني في قضاياه التي يكون طرفا فيها. الأخطر من ذلك هو تعاقد هيئة السلع التموينية مع شركة أجنبية من الدول المصدرة للقمح الملوث لفحص واستلام شحنات القمح المستوردة من بلادها بما فيها من فطر الإرغوت.
قبل أن تسمح الحكومة بالإرغوت مباشرة، صرح رئيس قطاع الخدمات والمتابعة بوزارة الزراعة بأن مصر لن تخضع للضغوط الخارجية لاستقبال أقماح مصابة بفطر الإرغوت، وأن قرار وزير الزراعة بمنع دخول أقماح مصابة بالفطر قرار نهائى ولا رجعة فيه، حتى وإن كانت المواصفات العالمية تسمح باستيراد شحنات تحتوى على 0.05% من الإرغوت، إلا أن مصر لن تسمح بذلك، وأن مصر لديها خريطة كاملة بجميع المناطق التى تزرع بها أقماح خالية من الفطر للاستيراد منها والابتعاد عن المناطق التى يتوطن بها المرض، والتصريح في “البوابة نيوز”.

وقبل موافقة الحكومة على الإرغوت بأيام قليلة كتبت جريدة الاهرام القومية مقالا نشر بعنوان “الإرغوت.. الوجه القبيح للتدخل فى سيادة مصر” وجاء فيه “أطلت علينا السياسة الأمريكية والغربية بوجهها القبيح، عندما قررت أن تشوه سمعة الصادرات المصرية انتقامًا لهذا الانحياز المشروع لصحة المصريين، يقصد قرار الحكومة بمنع  الإرغوت، وبينما يبدو الأمر في ظاهره قرارًا تنظيميًا داخليًا، إلا أن ضغوطًا عالمية مورست من قبل عدد من الدول الكبرى لوقفه باعتبار مصر أكبر مستورد للقمح في العالم بنحو 10 ملايين طن سنويًا”. نفس الجريدة القومية كتبت بعد ساعة من بيان الحكومة بالموافقة على الإرغوت العنوان التالي “مصر تتراجع وتقبل استيراد قمح «الإرغوت» بعد الضغوط الأمريكية الروسية والتلويح باهتزاز المخزون الاستراتيجى”

إحجام المستوردين عن الدخول في المناقصات الدورية التي تجريها هيئة السلع التموينية لشراء القمح، وفرض الهيئة المعنية بمراقبة سلامة الغذاء في روسيا حظرًا على استيراد الواردات الزراعية من مصر، وكذلك فعلت الولايات المتحدة ودول حليفة لها، جاء، وبلا شك، ضمن صور الضغط العلني.
فيما قادت فرنسا ضغوطا من داخل مكاتب الحكومة، وزيارة الرئيس الفرنسي للسيسي بعد أزمة الإرغوت مباشرة، تبعها لقاء السفير الفرنسي في القاهرة وزير الزراعة المصري لهذا السبب وإن أعلن غير هذا. الضغوط الغربية أجبرت الجنرال السيسي، الدكر، كما يصفه مؤيدوه، على شراء الأقماح الروسية والفرنسية والأمريكية الملوثة بالإرغوت. بل قطعت الأقماح النظيفة رغم توافرها، باعتراف مسئول وزارة الزراعة، ورغم تقارب أسعارها من أسعار القمح الملوث، باعتراف رئيس الحجر الزراعي المقال!

_____________________

*مستشار وزير التموين سابقاً
 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه