عبد الرزاق قيراط يكتب: أفكار جريئة من تونس!

عبد الرزاق قيراط *

تخيّم على المشهد السياسيّ التونسيّ حالة من الرتابة الثقيلة، بالرغم من الحركيّة المفتعلة على مستوى التحويرات الحكوميّة الكثيرة التي شهدتها فترة الرئيس السبسي، ما ساهم في تكوين قناعة راسخة بأنّ التغيير لن يكون حقيقيّا ولا مجديا إلاّ إذا تجاوز الأشخاص ليشمل البرامج الإصلاحيّة العاجلة. وبما أنّه لا دليل على وجود خطّة إنقاذ لدى حكومة يوسف الشاهد، فإنّها ستفشل كسابقاتها. وآية فشلها، أنّ التحرّكات الاحتجاجيّة عرفت مؤخّرا نسقا تصاعديّا في شمال البلاد وجنوبها، وتزايدت أخبار المنتحرين بحرق أنفسهم، نتيجة شعورهم بالقهر والقنوط وانسداد الأفق. واللافت في تغطيتها، أنّ وسائل الإعلام تذكر تلك الحوادث بتجرّد وموضوعيّة، في محاولة يائسة لإنكار خطورة المآل الذي وصلنا إليه. فنحن واقفون على مشارف ثورة جديدة لصالح الفقراء والمعدمين بعد كرّة خاسرة في جانفي/ يناير 2011.
قيادات جريئة
في هذه الأجواء القاتمة، ظهرت أفكار جريئة سنحاول عرضها مصنّفةً إلى ثلاثة أوجه بحسب درجة جرأتها وقدرتها على تطوير المشهد السياسيّ. وعلى هذا الأساس، يمكن البدء بفكرة عبد اللطيف المكّي القياديّ في حركة النهضة، الذي تحدّث للصحافة المكتوبة عن ضرورة التوصّل إلى تغيير إيجابيّ فقال: “الحلّ في اعتقادي هو تشبيب كامل للقيادات في الأحزاب السياسية. تونس تحتاج اليوم إلى قيادات جريئة. فعامل السنّ أثّر كثيرا على قرارات القيادات”. والمفاجئ في موقف المكّي أنّه لا يستثني حركة النهضة، فهي محتاجة مثل غيرها إلى تلك الوصفة، حيث  قال بوضوح وبلا أدنى تردّد: “نريد حركة لديها زعيم وليس زعيما لديه حركة”. وينطوي ذلك المطلب على اعتراف صريح بأنّ “النهضة” تورّطت في قرارات فرضها الشيخ راشد الغنوشي بحكم الصلاحيّات التي يتمتّع بها، وعلى رأسها دوره في تعيين أعضاء المكتب التنفيذيّ المسؤول عن الخطّ السياسيّ للحزب، ما يؤهّله لضبط توجّهاته على الشاكلة التي قد ترضيه ولا ترضي بالضرورة الأنصار والقواعد وحتّى بعض القيادات التي لم تعد قادرة على كتمان تململها. وبالفعل، لوحظ على الحركة، منذ تحالفها مع حزب النداء الحاكم، أنّها أصبحت “إمّعة”، مسيّرة لا مخيّرة، تحكمها توجيهات فرديّة، ما حجب أصوات المعارضين الشبّان داخلها، وأضعف بالتالي حراكها النقديّ الذي يحتاجه “التدافع” السياسيّ الديمقراطيّ، كما يحلو للغنّوشي أن يصفه.
تحدّي الزعماء
الوجه الثاني لا يقلّ جرأة عن دعوة عبد اللطيف المكّي إلى التشبيب وإحالة الشيوخ على التقاعد، وقد جاء من أقصى اليسار، على لسان عضو البرلمان المنجي الرحوي، الذي انتقد الزعيم التاريخيّ حمّة الهمّامي معتبرا أنّ خطابه “أصبح مكرّرا وغير مقنع”، وأنّه بحاجة  إلى الراحة والتجديد ليفسح المجال أمام قياديّين آخرين قادرين على تقديم الإضافة، داعيا الجبهة الشعبيّة إلى تأسيس الهياكل والمؤسسات “لمناقشة الأمور، بشكل ديمقراطي، بعيدا عن مناقشتها بشكل فوقيّ”.
والمستطرف هنا أنّ دعوة الرحوي باعتباره واحدا من قيادات الجبهة الشعبيّة تبدو متطابقة مع رأي المكّي، القياديّ في حركة النهضة. وليس من عادة اليساريّين أن يتوافقوا ولو بالصدفة مع الإسلاميّين. وقد دأبت الجبهة الشعبيّة على معارضة كل التوّجهات النهضاويّة على نحو آليّ لا يفتر ولا يتراجع أبدا. ولعلّ هذا التوافق الطارئ يمثّل فاتحة  لمرحلة قادمة تشهد تجاوز الخطاب السياسيّ الركيك الذي يستهلك نفس الشعارات والوعود المقدّمة في شكل قوالب (أو مقالب) مضحكة، والأمر ينطبق على جميع الأحزاب التي منعها خطابها الإقصائيّ من العمل مع خصومها في أحلك الفترات التي تؤكّد حاجة الوطن إلى الوحدة والتعاون بين جميع القوى.
 جرأة مغشوشة
الوجه الثالث والأخير كان بدوره جريئا إلى حدّ بعيد، لأنّه تجاوز البعد النظريّ إلى المستوى العمليّ، فتكليف السبسي، (الرئيس التسعينيّ) ليوسف الشاهد، (الشاب الأربعينيّ)، بتشكيل الحكومة الجديدة، مثّل في الظاهر، على الأقلّ، استجابة للأصوات التي كانت تنادي بمنح الثقة للقيادات الشابّة، والانصراف عن الزعماء التاريخيّين الذين هرموا، ولم يعودوا قادرين على تسيير دواليب الدولة بسبب أمراضهم، وافتقارهم إلى ثقافة العصر التي تواكب تطلّعات الأجيال الجديدة، وتتفهّم همومهم… لكنّنا نرجّح أنّ رئيسنا، راغب عن كلّ ذلك، ومحتاج فقط لخادم طيّع يكون “سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها”.. فالواقع يقول إنّنا إزاء جرأة مغشوشة، واستجابة وهميّة. والعاجز إذا خُيّر، سيختار من هو أعجز منه، ليسيطر عليه تمام السيطرة. وقد أثبت الشاهد منذ أيّامه الأولى في رئاسة الحكومة أنّه موظّف في خدمة من وظّفه، فبدا فاقدا لكلّ مقوّمات رجل السياسة المُقدم على مسؤوليّاتٍ جسامٍ، ومعالجة ملفّاتِ تنوء بحملها عصبة الكوادر المعنيّة بها، فما بالك بمن لا تجربة له، ولا خبرة ولا حتّى “كاريزما” تمكّنه من الاحتيال ببعض المراوغات الكلاميّة في المواقف الحرجة التي لا يصلح فيها إلاّ ذلك الأسلوب لمن يعرف سحر الخطابة وأصولها… وفي هذا السياق، هرول الشاهد إلى مدينة القصرين المنكوبة بعمليّة إرهابيّة جديدة، فوقف على سرير أحد الجرحى ساهما، شارد العقل والبصر، لا يعرف ما يجب قوله في حضرة ذلك الجنديّ المصاب، للتخفيف عليه بعبارات التعاطف والمواساة..
وهكذا، كشفت تلك الصورة البائسة، وما رافقها من مظاهر تكميم الأفواه، ومنع المعارضين من الحديث إلى الشعب عبر وسائل الإعلام العامّة والخاصّة واقعا يستحقّ الرثاء. فديمقراطيّتنا الناشئة بدأت تتقهقر، ويصيبها الإعياء ويتهدّدها العطب. وسياقٌ كهذا كفيلٌ بتحريك المزيد من الأفكار الجريئة لإنقاذ الأحزاب السياسيّة ومنظّمات المجتمع المدنيّ من سطوة زعمائها، وإصلاح ما أفسده  العابثون بهيبة الدولة ومؤسّساتها.

___________________

*كاتب تونسي 

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة