عبد الرزاق قيراط يكتب: أزمة الخطاب السياسي في تونس

ينبغي التذكير هنا أن المرزوقي يتبنّى بدوره رؤية لا يحيد عنها، ولا يحاول تغليفها بوشاح دبلوماسيّ يجنّبه الانتقادات الكثيرة التي تنهال عليه عندما يذكّر الرأي العام عبر وسائل الإعلام بالمؤامرات.. يتبع.

عبد الرزاق قيراط*

 
“يجب أن تغيّر أفكارك باستمرار لتحافظ على موقعك في عالم السياسة”. نصيحة معروفة لا تستهوي الكثير من السياسيّين عموما، ولكنّها بدأت تفرض نفسها في تونس، بسبب الحلقة المفرغة التي ابتلعت كلّ الأحزاب بلا استثناء. فتزييف الحقائق، وتمييع المطالب، بالإضافة إلى التعنّت الملحوظ على مستوى الخطاب الحزبيّ، عوامل تسبّبت في ظهور مواقف متناقضة أو متشدّدة أو مرتبكة، ما أثّر سلبا على مسار الانتقال الديمقراطي، وأدّى إلى تشويه المشهد السياسيّ على نحو خطير قد يوصل إلى قطيعة نهائيّة بين الحاكم والمحكوم نتيجة نفاد رصيد الثقة الذي يضمن التواصل ويثمر الاستقرار.. وما الدعوة الأخيرة في صلب الجبهة الشعبيّة لمراجعة خطابها وتجاوز بعض زعمائها التاريخيّين إلاّ دليلا على شيء من الوعي بضرورة التطوّر منعا للتلاشي الذي قد يعصف بأحزاب كثيرة في الفترة القادمة. وتعكس تنازلات كثيرة داخل حزب النهضة رغبة زعمائها في التصالح مع مناخ تونسيّ عامّ لا يطمئنّ لتنظيمات الإسلام السياسيّ. وتبقى حركة النداء عالقة في عين العاصفة المدّمرة التي مازالت تعبث بهياكلها وتضع مؤسّسيها ومنخرطيها في صراع مستمرّ أضعف الأداء الحكوميّ، وأدخل مؤسّسة الرئاسة في تجاذبات ومهاترات لا حصر لها.
تناقض صارخ
و من أبرز الشواهد على الأداء المضطرب لرئيس الدولة (ما ساهم في تشقّق “النداء” وتعكير الأجواء داخل حركة النهضة)  نذكر التناقض الصارخ بين أقواله وأفعاله. فخطابه المناوئ لحركات الإسلام السياسيّ يتعارض مع خياره الاستراتيجي عبر تحالفه مع الشيخ راشد الغنوشي. وقد كان حريصا في جلّ زياراته الخارجيّة على مهاجمة الإسلاميّين الذين حكموا البلاد فترة قصيرة اعتبرها سببا لجميع الشرور التي أصابت الوطن. فقال في جولته الخليجيّة على سبيل المثال إنّه بصدد العمل على تنقية العلاقات التونسيّة مع كافّة الدول الشقيقة والصديقة لإصلاح أخطاء الذين سبقوه، مؤكّدا في كلّ محطّة نجاحه (المزعوم) في مقاومة “التطرّف الإسلامي” واعتبار الإرهاب الذي نعاني منه اليوم نتيجة طبيعيّة لسياسات الأمس في عهد الترويكا بسبب تساهلها مع “السلفيين وغيرهم ممّن يستغلّون الإسلام للصعود إلى السلطة، وهو إسلام مغشوش” على حدّ قوله.
وبذلك المسلك، تبنّى الرئيس الحاليّ الصرعة المعادية لتيّار الإسلام السياسيّ ليغازل الحكومات العربيّة التي مازالت تتخوّف من شعبيّة تلك القوى، ومن قدرتها على الوصول إلى الحكم بجميع الوسائل وعلى رأسها الانتخابات الديمقراطيّة الشفّافة، ولذلك تناصبها العداء فتصفها بالإرهابيّة، أو تعتبر الانتماء إليها “مؤشّرا محتملا على التطرّف”. وهكذا غامر الرئيس التونسيّ بمصداقيّته في الداخل والخارج، فلم يراع من جهة أولى مصلحتَه الداخليّة بالتحالف مع حركة النهضة، ولم يفلح، من جهة ثانية، في ترميم “التصدّع” الذي شهدته علاقاتنا مع بعض أشقّائنا الخائفين من تصدير الثورة “بسبب أخطاء من سبقه”، كما يردّد في جلّ خطاباته مخطّئاً حركة النهضة حينا، والرئيس السابق منصف المرزوقي حينا آخر.
خطاب المرزوقي
ينبغي التذكير هنا أن المنصف المرزوقي يتبنّى بدوره رؤية لا يحيد عنها، ولا يحاول تغليفها بوشاح دبلوماسيّ يجنّبه الانتقادات الكثيرة التي تنهال عليه عندما يذكّر الرأي العام عبر وسائل الإعلام بالمؤامرات التي عصفت بالربيع العربي. فلا تخفى عليه الآن حساسيّة تلك التصريحات التي أثارت استهجانا ملحوظا نظرا لتكرارها، ولكونها خارجة عن السياق العربيّ الحاليّ بعد أن تطوّر على نحو تراجيديّ خلال  السنوات الخمس الأخيرة. فتصريحات المرزوقي في مثل هذا السياق وإن كانت تعكس وفاءه لمبادئه، أصبحت بلهجتها المتشنّجة “لا تَصلُح ولا تُصلِح” كما يقول بنفسه عندما ينتقد الأنظمة الفاسدة، وبالتالي ينطبق قولُه المأثور على جزء من خطابه الذي قد لا يجلب منفعة ولا يدفع مضرّة. ولعلّ ضرره بحزبه وبمستقبله السياسيّ أشدّ من  ضرره بالمتآمرين الذين يتّهمهم بتمويل الثورة المضادّة في تونس وما جاورها. وليس المرزوقي محتاجا لمن يذكّره بدور الإعلام في اقتناص تلك التصريحات لاستغلالها في حملات متكرّرة لتشويه صورته لدى العامّة والخاصّة. وقد سبق له أن شخّص بنفسه أعراض ذلك الداء الذي أصاب المنابر الإعلاميّة الفاسدة، فقال في كتابه (ننتصر.. أو ننتصر): ” ما شاهدناه إبّان الثورة، سواء في تونس أو مصر، من انهيار للإعلام، مرتبط أوثق الارتباط بانهيار قاعدته الأخلاقيّة، حيث أطلّ علينا صحافيّون يكذبون ويبثّون الكراهيّة، ويحرّضون على العنف ويتمعّشون من المال القذر، ويستعملون حريّةً لم يناضلوا أبداً من أجلها كأداة لقتلها”. ولذلك، فإنّ العلاج حسب المرزوقي قائم على “المطلب الأخلاقيّ” باعتباره “لبّ الربيع العربيّ”.

أسطوانة المؤامرات
ومع ذلك، فإنّ جميع الذين تداولوا على السلطة في تونس علمانيّين كانوا أو إسلاميّين، تبنّوا خطابا سياسيّا واحدا يكرّر أسطوانة المؤامرات. وهذا لا يحتاج لشدة وضوحه إلى إقامة البرهان عليه، فقد سمع التونسيّون في كلّ العهود من بورقيبة إلى المخلوع بن علي إلى المرزوقي والسبسي، نفس الشكوى من “الأيادي الخبيثة” و”الجهات”  أو “الأطراف” التي تريد الانقضاض على الحكم. وكلّها توصيفات تتجنّب تسمية (المتآمرين) الذين “يريدون تعميم الفوضى واستغلالها للوصول إلى السلطة بالوسائل غير الديمقراطيّة”. وينطبق هذا المنزع اللغويّ في التعاطي مع قوى المعارضة القانونيّة على أغلب الحكومات التي جاءت بعد الثورة برفضها الحديث عن هويّة “الأطراف المريبة” وأصحاب “المخطّطات الجهنّميّة” …
والمؤكّد أنّ زهد الحكومات وتعفّفها عن توجيه الاتهامات الصريحة، أغرى الإعلاميّين باختلاق الخرافات التي تزخر بمبالغات لا يصدّقها العقلاء. فمنشوراتهم تضجّ بأسماء تلك الأطراف وجنسيّاتها وخططها على نحو مثير للسخرية أمام تناقض الروايات وكثرة المزاعم والأراجيف..
وعلى العموم، يمكن القول تكذيباً للصحفيّين والسياسيّين معاً، إنّ المؤامرة الوحيدة التي يواجهها الشعب التونسيّ اليوم، هي التي تهدّد قُوت يومه بسبب الغلاء والبطالة والتورّط في دوّامة الاقتراض، ما سيؤثّر سلبا على مستقبل أبنائه جرّاء نخبة سياسيّة عقيمة وفاشلة. فليس في رصيد من وصلوا إلى السلطة على مستوى الانجازات إلاّ ما شوهد من مظاهر  التناحر للوصول إلى المناصب والتشبّث بها في مسرحيّة أفسدها التكرار وضعف الأداء، حيث يَتّهم كلّ من يحكمنا  “أطرافا وجهات وأياد خبيثة”، بالتآمر عليه لإزاحته عن السلطة وتقويض “الاستثناء التونسيّ المميّز”. والحال أنّ الشعب قد أدرك حجم الخديعة بذلك الاستثناء المزيّف، وهو في انتظار الوصول إلى برّ الأمان قبل أن تحلّ الكارثة  بسفينة “التعايش الديمقراطيّ”، إذْ مازالت تواجه الصعوبات في بحر عربيّ لجيّ “يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب”.

___________________

*كاتب تونسي  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة