سمير العركي يكتب: سقوط دابق نهاية الأيديولوجية الداعشية

داعش لم تكن سوى النسخة المتطورة من مجموع أفكار “الشوقيين والتكفير والهجرة” والتي ارتكزت على تكفير عوام المسلمين فضلاً عن خواصهم بسبب موالاتهم للطواغيت الذين لا يحكمون بما أنزل الله.. يتبع.

سمير العركي*

لم يكن أكثر المتفائلين يتوقع سقوط قرية “دابق” بريف حلب الشمالي بهذه السهولة والسرعة، إذ لم تكد تمضي ساعات قليلة من انطلاق العملية العسكرية التي شنها الجيش السوري الحر بدعم من القوات التركية في إطار عملية درع الفرات حتى تم الإعلان عن إحكام الجيش الحر قبضته على المدينة وطرده عناصر تنظيم داعش منها.
كثيرون توقعوا أن يستميت التنظيم في الدفاع عنها بما تمثله من رمزية في الوعي الجمعي الداعشي، ولكن يبدو أن الضربات العسكرية، التي مني بها في عدد من المواقع، أثرت كثيراً عليه وعلى معنويات أفراده، ما أدى بهم إلى الخروج السريع من البلدة التي مثلت رمزية هامة في مجمل منظومته الفكرية تمكن بها من جذب آلاف الشباب من جميع أنحاء العالم.

 

انتهاء الأيديولوجية الداعشية


سردية الصعود السريع للتنظيم قبل سنوات والتي تجلت في سيطرته على أراض واسعة امتدت من الأنبار إلى الموصل وصولاُ إلى الرقة السورية، والتي تخللها مساجلات وملاسنات بين القاعدة وداعش عبر تسجيلات للظواهري والبغدادي والجولاني والعدناني، كل هذا دفع كثيراً من الباحثين إلى محاولة استجلاء طبيعته والبحث في الأفكار المؤسسة لحركته خاصة بعد حالة “التوحش” الذي نقلتها مشاهد القتل والإعدامات (وضعاً في الاعتبار أن البعض منها منتج استخباراتي).
لكن الخطأ المنهجي الدى وقع فيه كثيرون – قصداً أو جهلاً – محاولة رد أفكار التنظيم إلى أصول سلفية جهادية، أو الوصول بها إلى ما اصطلح عليه بالفكر الوهابي  لكن الفحص الدقيق لتصرفات التنظيم وأقوالهم والشهادات المتعددة المروية من خارجين عن عباءته توضح أن التنظيم كان صدى لأفكار تكفيرية شبيهة بتلك الأفكار التي نحتها المصري شكري مصطفى زعيم ما يسمى بجماعة المسلمين (عرف في الإعلام بتنظيم التكفير والهجرة) والذي حكم عليه بالإعدام في سبعينيات القرن الماضي على خلفية مقتل وزير الأوقاف الأسبق الشيخ الذهبي، كما أن طروحات التنظيم تقترب كذلك من أفكار جماعة التوقف والتبين المصرية أيضاً والتي شهدت تراجعاً كبيراً في نشاطها عقب الحملة الأمنية التي استهدفت أقوى بؤرها في محافظة الفيوم مطلع تسعينات القرن الماضي والتي أفضت إلى مقتل زعيمها شوقي الشيخ ، عقب محاولات فاشلة قام بها التنظيم لاغتيال وزيرين سابقين للداخلية وهما حسن أبو باشا، والنبوي إسماعيل، كما حاول التنظيم اغتيال الكاتب الصحفي مكرم محمد أحمد.
والمفارقة أن الذي قاد حركة التدوين الفكري للتنظيم – عرف في البداية باسم عبد الرحمن شاكر نعم الله – لم يكن سوى ضابط شرطة يدعى حلمي هاشم تم إنهاء خدمته لاحقاً.
داعش في حقيقتها لم تكن سوى النسخة المتطورة من مجموع أفكار التنظيمين والتي ارتكزت على تكفير عوام المسلمين فضلاً عن خواصهم بسبب موالاتهم للطواغيت الذين لا يحكمون بما أنزل الله، والجهل بأصل التوحيد، أو الوقوع في المعاصي. إلى آخر منظومة فكرية اقترب فيها التنظيمان من بعضهما حيناً وافترقا أحياناً أخرى حتى وصل الأمر إلى تكفير بعضهم البعض.
لكن ما يهم هنا أن داعش اعتمدت بعداً فكرياً آخر مهماً وهو اعتماد الرمزية الدينية لـ “دابق” والتي ورد اسمها في أحاديث صحيحة كمكان لملاحم آخر الزمان، ونجحت في تسويق الفكرة لدى أتباع التنظيم واعتبارهم المقصودين بما ورد في الأحاديث، ما سهل جذب الأتباع إليه، وبات يشكل هدفاً لآلاف الشباب من جميع الجنسيات .
لكن أيديولوجيا دابق التي بناها داعش وأنفق الكثير لترويجها، سرعان ما انهارت باستيلاء الجيش الحر عليها في ساعات قليلة لا تناسب حجم رمزيتها، هذا السقوط أراد التنظيم استباق آثاره بتصريحات منسوبة للبغدادي، واسى فيها أتباعه بحجة أن ما يحدث الآن هو معركة دابق “الصغرى” وليست الكبرى.
ورغم أن فقه الملاحم لا يشكل إلا جزئية في مجمل النسق الفكري للتنظيم إلا أنه من المتوقع أن يؤدي هذا السقوط إلى هزة فكرية عنيفة داخلها .
ما يعني أن أفكار التنظيم قد تشهد تراجعاً، قبل أن يعاد تدويرها وانتاجها مرة أخرى في صورة أكثر توحشاً، اعتماداً على تطور أوضاع المنطقة ووجود البيئة الخصبة اللازمة لنمو مثل هذه الأفكار.


داعش وتفتت التنظيم

رغم نجاح التنظيم في الاستيلاء على مساحات شاسعة من الأراضي أقام عليها دولته وهو ما ميزه عن تنظيم القاعدة، فإنه اجتمع معه في تحوله إلى فكرة عابرة للحدود من دون رابط تنظيمي محكم، إذ كان يكفي مجرد بيان إعلامي من أي تنظيم محلي، يتم فيه الإعلان عن مبايعة البغدادي وإعلان الانضواء تحت راية التنظيم.
الانتشار السريع  في فترة وجيزة اعتمد على الانتصارات التي تحققت في كل من العراق وسورياً، وتأثر بالرمزية التي مثلتها دابق وانتظار ملاحم آخر الزمان، إضافة إلى العوامل السلطوية الاستبدادية التي أتاحت مناخاً كان مواتياً لنمو التنظيم وترعرعه .
إلا أن الخط البياني لهذا النمو أخذ في التراجع بعد أن تكبد التنظيم خسائر فادحة بدأت من عين العرب ( كوباني) في سوريا مروراً بالفلوجة والرمادي في العراق وصولاً إلى سرت في ليبيا ثم رجوعاً مرة أخرى إلى سوريا والتي تشهد تراجعاً كبيراً له في الريف الشمالي لحلب خاصة بعد بداية عملية درع الفرات، ولم يعد أمام التنظيم  سوى الانحسار إلى عاصمته بالرقة، وفي العراق يواجه مأزقاً كبيراً مع انطلاق العمليات العسكرية صوب الموصل ، والتي يتوقع كثير من المتابعين انحسار التنظيم عنها في ظل اختلال موازين القوى الحالي – إلا أن تحدث تطورات أخرى على الأرض –  ما يعني نزوحه صوب الرقة التي سيكون لها حديث آخر بعد ذلك .
كل هذا يعني أن التنظيم يسير نحو الأفول كمؤسسة ذات بنية مرتبة، ما قد يؤدي إلى تحول الناجين منه إلى خلايا كامنة ستعمل على استهداف المصالح الغربية بضربات انتقامية مثلما فعل تنظيم القاعدة في استهدافه لندن ومدريد وبالي الإندونيسية قبل عدة سنوات، ما لم تشهد المنطقة تنظيمات أكثر عنفاً طالما بقت أوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية على ما هي عليه.

          _______________________

*كاتب مصري وخبير في الجماعات الاسلامية  

المقال لا يعبر عن موقف أو راي الجزيرة مباشر وإنما يعبر عن رأي كاتبه



المزيد من الكاتب
الأكثر قراءة